سليمان جودة
ربما يكون السجال الأظرف بين طرفين، هو ذلك السجال الذي دار بين المتحدثة باسم البيت الأبيض ونائب فرنسي في البرلمان الأوروبي. ولا بد أن الذين تابعوا وقائع السجال قد أحسوا بأنه سجال بين دولتين، أو عاصمتين، أكثر من كونه سجالاً بين نائب برلماني في باريس، ومتحدثة صحفية في واشنطن.
السجال دار منتصف الشهر الماضي، وكان لافتاً جداً للمتابعين في الشأن العام حول العالم، وكان سببه راجعاً إلى السياسة التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه المهاجرين غير الشرعيين إلى بلاده، وإصراره على ترحيلهم إلى بلادهم مهما كانت الصعوبات التي تقف في طريقه، ومهما أدى ذلك إلى مشكلات مع الدول التي ينتمي إليها هؤلاء المهاجرون.
الأوروبيون من موقعهم على الشاطئ الشرقي للمحيط الأطلسي لم يستوعبوا هذه السياسة من جانب الرئيس ترامب ولم يفهموها، ووجدوا فيها تقييداً لحرية الإنسان في السفر، وحرماناً له من حق أصيل هو حق الحركة دون قيود. لقد راح الأوروبيون في الغالبية منهم يتطلعون إلى الموضوع من هذه الزاوية، ولم يتوقفوا عند الحقيقة التي تقول إن الذين قصدهم ويقصدهم ترامب بسياسته هُم المهاجرون غير الشرعيين، لا المهاجرين حسب ما يقول القانون وتقول قواعد الهجرة المرعية.
وربما تكون الطريقة العنيفة نسبياً التي اتبعها الرئيس الأمريكي في تنفيذ ما يراه في هذا الملف، هي التي أججت مشاعر الكثيرين حول العالم ضده، ومن بينهم النائب الفرنسي رافاييل جلوكسمان الذي دخل في سجال مع المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفييت.
كان رافاييل هو الذي بدأ، وكانت بدايته مثيرة بعض الشيء، لأنه طلب من الأمريكيين أن يعيدوا إلى بلاده تمثال الحرية الشهير، الذي يقف في مكانه في نيويورك، رافعاً شعلة من النار في إحدى يديه، كأنه يقصد أن ينير الطريق أمام القادمين إلى الولايات المتحدة.
وليس سراً أن التمثال كان في الأصل هدية قدمتها فرنسا إلى الولايات المتحدة، وأن إهداءه كان في عام 1886، وأن المناسبة كانت مرور مائة سنة على الثورة الأمريكية، وأنه منذ استقر على قاعدته في نيويورك صار من ملامح نيويورك ومعالمها، بل من ملامح بلاد العم سام كلها. ولا يزال هذا التمثال هو أول ما يراه المسافرون إلى الولايات المتحدة من مكانهم في الطائرة، إذا ما راحت تحلق من بعيد استعداداً للهبوط.
النائب الفرنسي غاضب وثائر، لأنه يرى أن الولايات المتحدة لم تحفظ للتمثال قيمته، وأنها بما تمضي عليه من سياسات تصطدم بالمعنى الذي يمثله التمثال، ولا تحفظ له حُرمة كتمثال يرفع شعار الحرية، ولا تُنزله المنزلة التي تليق به، ولا بما يحمله من الإيحاءات في مكانه.
وبما أن النائب عضو في البرلمان الأوروبي، لا مجرد عضو في الجمعية التشريعية الفرنسية، فإن السجال بدا كأنه بين أوروبا كلها من ناحية، وبين الولايات المتحدة الأمريكية من الناحية الثانية، فإذا ضممنا إلى ذلك أن السياسة التي يمشي عليها سيد البيت الأبيض تجاه الحرب الروسية الأوكرانية لا تعجب أوروبا، ولا تنال منها أي رضا، اتضح أن النائب جلوكسمان يكاد يعبّر في موقفه الغاضب عن رأي عام أوروبي واسع يتجاوز نطاقه هو كفرد أو كمواطن فرنسي.
المتحدثة كارولين لم تسكت هي الأخرى من جانبها، ولكنها وجهت إلى النائب الفرنسي الأوروبي ما لا بد أنه قد أغضبه وأثار جنونه، لا لشيء، إلا لأنها خاطبته فقالت إنه لولا بلادها لكانت فرنسا تتكلم الألمانية الآن لا الفرنسية.
وهذا الرد بدوره له خلفية تاريخية مهمة، لأنه يشير من طرف خفي إلى القوات الأمريكية التي نزلت نهاية الحرب العالمية الثانية على شواطئ نورماندي الفرنسية، فحررت فرنسا من الاحتلال النازي الذي كان قد اجتاحها كلها تقريباً.
ولا نعرف كيف حضرت وقائع الحرب الثانية في ذهن المتحدثة بهذه السرعة، ولكن ما نعرفه أن ما تقوله صحيح تاريخياً، أما أن فرنسا كانت ستتكلم الألمانية أو لا تتكلمها، فهذه قضية أخرى تظل محل خلاف وسجال شأنها شأن التمثال.
أياً كان الأمر، فإن سجالاً من هذا النوع يظل يثير الإعجاب، لأن طرفيه أداراه عن وعي بالقضية التي يتحدث كل طرف منهما فيها، وعن إلمام بها، وعن دراية بالخلفية التاريخية لها، وبصرف النظر تماماً عما إذا كنت أنت كمتابع سوف تجد نفسك في جانب هذا الطرف أو ذاك، لأن كل طرف من الطرفين كان يخاطب الآخر وهو يعرف ماذا بالضبط عليه أن يقول.