: آخر تحديث

السلاح الجرثومي سيكون له دور محوري إذا اندلعت حرب عالمية

29
19
24
مواضيع ذات صلة

أن يكون الجنون هوسًا يمكن علاجه أو تفادي عبثيته أو يمكن التصدي له وإسكاته، فإنه أمر من الماضي، ذاك الماضي من الزمن الذي يمكن تصنيفه بالجميل مقارنة بزمننا الفوضوي اليوم الذي يمسك بدفة قيادته وتوجيهه سادة «الفوضى الخلاقة»… نقصد بالجنون في هذا السياق جنون أصحاب العظمة ممن بيدهم وتحت رحمة أهوائهم الأنانية مصير الشعوب والدول، والذين يسابقون الزمن ممتطين خيول جبروت قوة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً… قوة نارية ونووية تعيد الأرض إلى ما كانت عليه قبل خلق الحياة عليها، وقوة وبائية بإمكانها نشر الأمراض الفتاكة بأنواعها على أية بقعة أرض وتجمعات بشرية يستهدفونها، حتى يتحقق لهم النصر المبين، ويتربعون على عرش الألوهية على الأرض يستعبدون عباد الله حسبما تشاء نزواتهم الذاتية. الحرب الجرثومية، وهي الموضوع الشاغل لكل وسائل الإعلام، تحظى بأهمية استثنائية عند أصحاب الاستراتيجيات العسكرية، وهي اليوم مؤهلة لتحل مكان السلاح النووي، أو تكمل مهمات النووي.

إنها الحرب بين الإنسان والإنسان، وهي قضية شائكة حشر الإنسان نفسه وجنسه في شباكها، ومع الحرب، وبغض النظر عن أهدافها، فان العقل يعمل بجد الذكاء وعبقريته لتطوير السلاح وتنويعه في مواجهة الطرف المستهدف من أجل إخضاعه أو إبادته. ومع تراكم الحروب وتراكم الخبرة العسكرية وازدياد الحاجة إلى التفوق العسكري، ابتكر العقل علمًا في شؤون الحرب، وهو العلم العسكري. العلم العسكري، أو بمعنى أدق «علم الحروب»، أو بمعنى في صميم الدقة «علم إبادة الانسان»، وقد ساهم هذا العلم البشري في تعميق ونشر الكراهية بين بني البشر ناهيك عن كوارث الجرائم ضد البشرية ودمار ما بناه وزرعه الإنسان… إنها «كوميديا العقل»، ويا لبؤس هذا العقل… كوميديا العقل تتلهى على مسرح تراجيديا الإنسان، ويا لبؤس هذا الإنسان عندما يشيد متباهيًا بالعقلانية والعقل الذي يتسابق ذكاؤه لإخراج مسرحية إفناء الانسان.

العلم العسكري يدفع بمقومات العقل، من عبقرية وذكاء، إلى هوس الجنون بموازاة جنون العظمة في عالم السياسة، ومن ثم ينحرف العقل، تحت امرة العلم العسكري، عن طريق خدمة الإنسان ويستهويه خط مسار آخر، وهو منعطف إلى الانحطاط ومنحدر إلى الهاوية وهي نقطة اللارجعة ولا المراجعة، وعندها قل على مصير البشرية السلام، وينسدل الستار على الكيان البيولوجي الذكي الوحيد في النظام الشمسي… وينتهي التاريخ مع نهاية الإنسان، إذ لا تاريخ ولا ثقافة ولا حضارة ولا خير ولا شر من غير إنسان. كيف يمكن للعقل أن يستسلم للحماقة حتى يصبح أخطر وأدنى منزلة من الجهل؟ سؤال ليس من السهل الإجابة عليه، ولكنه العقل المحتار أمام العقل، وهذا لغز أصعب من السؤال… لا يمكن قول أي شيء سوى أن هذا هو الإنسان، شئنا أو أبينا!!!

دون الخوض في تاريخ هذا العلم الشيطاني ومبتكراته، نسترجع من هذا التاريخ ثلاثة منعطفات حادة، وهي ابتكار الديناميت في القرن التاسع عشر، والقنبلة النووية في القرن العشرين، والسلاح الجرثومي الذي كان موجودًا قبل الديناميت والنووي. السلاح الجرثومي في بداياته كانت محصورة في تسميم آبار الماء أو تسميم الأغذية، أو نشر مواد موبوءة بالجراثيم بين صفوف الأعداء، منذ مئات السنوات. الجديد في السلاح الجرثومي هو تطويره إلى أنماط أكثر فتكًا وأسرع انتشارًا إلى درجة الإبادة الشاملة لمجموع البشر على رقعة جغرافية مستهدفة، والمسمى الجديد لهذا السلاح هو «السلاح البيولوجي» أو «السلاح البيو-كيميائي»، وأصبح علمًا عسكريًا قائمًا بذاته. غني عن التوضيح، أن الانتصار بهذا السلاح يعطي المنتصر ميزة إفناء العدو عن بكرة أبيه مع المحافظة على إنجازاته العمرانية والخدماتية، وأنه ليس على المنتصر سوى التخلص من الجثث المنتشرة على الأرض التي تحول ملكيتها إلى المنتصر بفعل عبقرية العقل التي عززت جبروت القوة.

تصور سيناريو إبادة العدو بهذا السلاح البيو-كيميائي ليس جديدًا، بل يعود إلى بداية القرن الماضي، عندما عبر عنه الكاتب الأمريكي جاك لندن عام ١٩١٠ في روايته «الغزو غير المسبوق»، وكانت تصنف من الخيال العلمي، وقد تحدث فيها عن غزو تقوم به الدول الغربية على الصين وتقضي على سكانها بالكامل باستخدام السلاح البيولوجي… قبل هذه الرواية، الأقرب إلى نبوءة متوقعة منها إلى قصة خيالية، كتب قصته القصيرة «ياه!ياه!ياه!» يصف فيها جريمة حرب حقيقية قامت بها بعثة أوروبية ثأرية إلى جزيرة في جنوب المحيط الهادي بنشر داء الحصبة من أجل إبادة كامل السكان البولينيزيين، وقد أدى انتشار الحصبة إلى موت عدد كبير من السكان. كان لسكان القارة الجديدة (القارة الأمريكية) نصيب الأسد من الموت بفعل هذا السلاح الجرثومي الذي مكّن الأوروبيين من السيطرة الكاملة على قارة عظيمة جديدة، وهو سلاح أكثر فاعلية وبأقل جهد وكلفة، دون خسائر بشرية من جانب الغازي المعتدي. لا شك أن المؤلف، جاك لندن، الملتزم بقضايا الإنسان، قد استوحى من هذه الجريمة تصوره أو رؤيته لنمط التفكير الأوروبي عندما كتب روايته «الغزو غير المسبوق». وما تتناقله وسائل الإعلام اليوم من أخبار عن المختبرات البيولوجية التي تنشرها الناتو وأمريكا على كامل الكرة الأرضية، دليل على مصداقية ما كان يراه جاك لندن. رغم أن السلاح الجرثومي قديم، إلا أن التقدم في علم الأحياء الدقيقة في القرن العشرين دفع بالإنسان إلى التفكير واعتبار «الحرب الجرثومية» جزءًا من روح العصر، مما يعني أن قرارات الحروب القادمة سيكون للسلاح الجرثومي فيها نصيب كبير. اليوم تتوزع على كامل جغرافية الكرة الأرضية، البحر واليابسة، مواقع تسمى «مختبرات بيولوجية»، بينما هي في واقع الأمر قواعد عسكرية محملة بالسلاح الجرثومي والكيميائي والبيولوجي، وهذه القواعد العسكرية البيو-كيميائية تحت تصرف حلف الناتو في سعيه إلى السيطرة على العالم دون منازع ولا منافس ولا مشاغب.

أرض أوكرانيا اليوم ساحة صراع بين الناتو من جهة وروسيا من جهة أخرى، وهذه الأرض مدججة بقواعد بيو-كيميائية متطورة تنتظر قرارًا حربيًا ومن ثم أمرًا عسكريًا بإطلاق خفافيش السلاح البيو-كيميائي من كهوفها، مدعومة بالسلاح النووي إن اقتضى الأمر… لا نشك أن النية مغروسة في النفس، وهي معززة بتاريخ من جدوى السلاح الجرثومي في حروب وغزوات سابقة، ولكن حسب قواعد المنطق المحمول على ظهر الخوف هناك إحساس بالشك في القرار، ولا شك كذلك أن البشرية ترجو أن يميل الشك إلى ضبط النية والتراجع عن القرار. أما إذا اندلعت حرب عالمية ثالثة فسوف يكون للسلاح الجرثومي دور محوري، والخوف من هذا السلاح أشد بشاعة من السلاح النووي.

وضبط النية، وهو الرجاء والأمل، يرتكز على قاعدة جدلية-منطقية مفادها أولاً الخوف من خطأ في حساب حجم وأثر ردة الفعل الروسية ومعها ردة فعل دول قوية مقتدرة مثل الصين وحتى الهند والاستياء الدولي. وثانيًا، عدم القدرة، وهو الأهم، على ضبط موجة الخفافيش البيو-كيميائية من أن لا ترتد على أصحابها، وانتشار وباء كورونا مثل حي، إذ انطلق من الصين وعم العالم كله… وليس من شك عند الجميع اليوم، أن الشعوب كلها، وبالرغم من كثرة عددها ومن تفاوت القوة والقدرات بينها، محمولة في زورق واحد تعوم بها على سطح لجة عميقة متلاطمة الأمواج قابلة للغرق، والغرق مصير الجميع إن أخطأ سادة القرار الذين بيدهم دفة الزورق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد