ثمة سببانِ بديهيان لامتلاك السلاح النووي؛ الأول هو الهيمنة على الجيران غير المسلحين نووياً أو ترهيبهم، وإجبارهم على الخضوع خشية مواجهة الدمار الشامل، أما الثاني فهو دفاعي بحت، ويتمثل في ردعِ عدو أكثرَ قوة عن مهاجمتك، وإقناعه بأنَّ ثمن انتصاره سيكون باهظاً إلى درجة لا يمكنه تحملها.
الحرب الأميركية والإسرائيلية ضد إيران مدفوعة بالخوف من السيناريو الأول؛ أي إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر ابتزاز نووي إيراني. بيد أنَّ الصراع القائم حتى الآن جعل السيناريو الثاني أكثر ترجيحاً؛ إذ أثبتت إيران أنها تمتلك بالفعل نوعاً من الردع «شبه النووي»، وهو تهديد موثوق بدمار شامل قد يضع حدوداً لما يمكن لخصومها المخاطرة به منطقياً.
وعلى نقيض كوريا الشمالية، لا يمتلك النظام الإيراني ترسانة من الرؤوس النووية لردع أميركا؛ لكنَّه يمتلك قوة تصعيدية لم تكن متاحة لصدام حسين أو معمر القذافي في صراعاتهما المصيرية مع الولايات المتحدة. ويعدّ إغلاق مضيق هرمز، وما يترتب عليه من أضرار في أسواق الطاقة العالمية، أولى الخطوات التصعيدية الكبرى. أما التهديد الثاني، فيتمثل في السعي لتدمير البنية التحتية الأوسع في الخليج العربي، من المصافي إلى محطات تحلية المياه؛ وهو خيار لا يُستخدم إلا في أقصى حالات الضرورة، بوصفه فعلاً من أفعال «القتل الانتحاري»، لكنه يظل تهديداً قوياً من نظام يواجه هزيمة وجودية.
تكمن المشكلة الجوهرية في الاستراتيجية في أنها وضعت الحكومة الإيرانية في ذلك النوع من المواقف المهددة وجودياً بالضبط؛ وذلك عبر حملة اغتيالات صُممت لإحداث تغيير في النظام، من دون أن تؤدي بعد إلى الثورة السياسية المنشودة. وما دام النظام بقي صامداً واستمرت الحرب، فإنَّه بإمكان الحكومة الإيرانية إطلاق تهديدات كارثية بمصداقية غير معهودة؛ لأننا نحن من وضعناهم في موقف تصبح فيه التحركات الكارثية خياراً عقلانياً.
ولم تكن هذه هي الحال في الضربات الأميركية السابقة ضد البرنامج النووي الإيراني، كما لن تكون كذلك لو أننا اكتفينا بضرب بنيتها التحتية العسكرية فحسب. لكنها نتيجة حتمية لتصدر جهود اغتيال القيادات للمشهد الراهن، مما يترك للنظام المستهدف كل الحوافز اللازمة لاتخاذ خطوات متطرفة، بل وبحجم الكارثة النووية، وهي خطوات قد تبدو غير عقلانية في سياقات أخرى.
بالطبع، هناك حدود لهذه المقارنة النووية؛ فقدرة إيران على إحداث الفوضى لا تعتمد على سلاح واحد يُستخدم للدمار الفوري، وإنما على مجموعة من القدرات الموزعة ذات التأثيرات المتراكمة، بدءاً من منصات إطلاق الصواريخ اللازمة لاستهداف جيرانها في الخليج، وصولاً إلى السيطرة الميدانية على الأراضي المحيطة بمضيق هرمز.
إن سلاح «هرمز» يستغرق وقتاً ليظهر أثره، كما أن منصات إطلاق الصواريخ معرضة للضربات الجوية، ومن ثم فإنَّ فاعلية الردع الإيراني يمكن تقليصها من خلال الاستنزاف، فمن الممكن تدمير الأسلحة والسيطرة على الأراضي، وعند نقطة معينة، يمكن لمزيج من التحركات العسكرية «غير الوجودية» أن يجعل التهديد الوجودي أكثر قابلية للسيطرة عليه نظرياً، مما يُخفف من الضرر الاقتصادي المحتمل ويُحد من قوة إيران التصعيدية (كل ذلك مع الإبقاء على بصيص أمل في أن يؤتي تغيير النظام ثماره خلال هذه المسيرة).
هذا هو نوع الحرب الذي يطمح بعض «الصقور» في أن تخوضه إدارة ترمب، عبر الزج بالقوات البرية ووحدات التدخل السريع لتحقيق مكاسب تدريجية لما لا يمكن إنجازه سريعاً. ومن المثير للاهتمام، وجود تقارب في الرؤى بين هؤلاء الصقور وبعض منتقدي الحرب، الذين يجادلون بأنه إذا لم تختَر الولايات المتحدة القتال بهذه الطريقة - أي إذا لم يسيطر مشاة البحرية الأميركية على الأراضي المحيطة بالمضيق، وإذا لم نقضِ نهائياً على التهديد الإيراني بإحراق الخليج العربي - فسيتعين علينا حينئذٍ قبول هزيمة تاريخية تبرز فيها إيران بوصفها قوةً إقليمية مهيمنة جديدة، تماماً مثل شخصية بول آتريديس في رواية «الكثيب»، الذي أصبح إمبراطوراً بعد تهديده بتدمير توابل كوكب «أراكيس» وتقويض حضارة المجرة.
بيد أنني أشكك نوعاً ما في أن إيران بصدد عيش لحظة بول آتريديس الخاصة بها؛ فلا يوجد زعيم إيراني يجسد شخصية «المُخلّص» ذي القدرات الخارقة (على حد علمي)، كما أن القوات التقليدية الإيرانية ليست بالجيش الذي لا يُقهر، فضلاً على أن الجيوسياسة لا تسير عادة وفق حبكة روايات الخيال العلمي؛ فالجميع يعلم أن كيم جونغ أون يملك القدرة على إشعال حرب شاملة في منطقته، لكن ذلك لم يجعل منه «إمبراطوراً» محتملاً لآسيا، وإنما جعل من مهاجمة النظام الكوري الشمالي أمراً عسيراً للغاية فحسب.
وبالمثل، إذا تراجعت الولايات المتحدة عن حملة الاغتيالات وعادت إلى المسار الدبلوماسي، فإنَّ التهديدات الإيرانية للمنطقة وللاقتصاد العالمي، ستكون أقل مصداقية مما هي عليه الآن، وهي في موقف بالغ الحرج. إنَّ التفوق العسكري التقليدي الأميركي سيستمر، مما يعني القدرة على إلحاق أضرار متجددة بإيران، إذا حاولت جعل الابتزاز الاقتصادي نهجاً دائماً. كما أنَّ رغبة إيران في التهديد بـ«يوم القيامة» ضد جيرانها، من المرجح أن تزيد من عزلتها طويلة الأمد، بدلاً من تشجيع هؤلاء الجيران على الانضواء تحت لواء الجمهورية الإيرانية.
وهذا لا يعني أن خفض التصعيد سيكون بلا ثمن بالنسبة للولايات المتحدة، أو أن هدنة لا تفضي إلى تغيير النظام لن تمثل هزيمة محدودة للقوة الأميركية. ولكن، وخلافاً لبعض المتشائمين، فإنَّ الولايات المتحدة قوية ومحصنة بما يكفي لاستيعاب خيبة أمل استراتيجية. وقد يكون السماح للرئيس دونالد ترمب بتسويق هذا النوع من الإخفاق على أنَّه «نجاح باهر»، أمراً مقبولاً، إذا كان البديل ليس الانقلاب الذي كان يأمله بوضوح، وإنَّما حرب برية في آسيا تُخاض تحت ظلال انهيار اقتصادي عالمي.

