: آخر تحديث

البرابرة على أسوار الجامعات

8
7
8

في لحظةٍ يغرق فيها الشرق الأوسط في النيران، يكشف التهديد الأخير الصادر عن الحرس الثوري الإيراني ما هو أخطر من مجرد تصعيد عسكري، إنه يكشف مدى خوف واحدٍ من أعتى أجهزة القمع.

خوفٌ من الأفكار والانفتاح، والأهم الخوف من التعليم نفسه. فتحذير الحرس الثوري باستهداف جامعات في المنطقة ليس تهديدًا عسكريًا عابرًا، بل هو إعلان حرب على المعرفة.

فلنكن واضحين: الجامعات ليست ثكنات عسكرية، ولا قواعد أو غرف عمليات، بل هي مساحات يُصاغ فيها مستقبل هذه المنطقة، غالبًا في تحدٍّ مباشر للقوى التي تسعى اليوم إلى تدميره.

مؤسسات مثل الجامعة الأميركية في بيروت ليست مجرد مبانٍ، بل هي بيئات حيّة للتنوع والنقد والنقاش، وللاحتمال. تفتح أبوابها للجميع دون تمييز على أساس العرق أو الفكر أو الدين أو الطبقة. تحتضن الحوار بدل العقيدة، وتُنتج مواطنين لا رعايا. وهذا بالضبط ما يجعلها غير محتملة بالنسبة إلى منظومات تعيش على الخوف والقولبة.

هذا التهديد ليس إلا نموذجًا للعداء ضد الإنسانية، فلبنان الذي قدّم الجامعات الأولى في المنطقة هو المثال الحي على دور الصروح العلمية في إنقاذه.

عندما ضرب العنف، سواء عبر الحرب والتفجيرات أو استهدافات أدت إلى انهيار أحياء كاملة من بيروت، لم يذهب الناس نحو الميليشيات، بل ركضوا نحو المؤسسات ومستشفياتها، وأولهم حرم الجامعة الأميركية في بيروت.

لم تكن الجامعة رمزًا تعليميًا أو طبيًا فقط في تلك اللحظات، بل كانت ملاذًا فتح أبوابه للمصابين دون سؤال عن الانتماء أو الهوية أو الموقف. تحول حرمها، كما في أحلك أيام لبنان، إلى مساحة تُحفظ فيها الحياة، فيما الخارج ينزلق نحو الموت.

هذا هو ما يُستهدف اليوم، وهنا تكمن الحقيقة المحرجة: هذه الجامعات ليست كيانات غريبة عن مجتمعاتها، بل هي جزء منها. تضم في صفوفها أساتذة وموظفين وطلابًا من مختلف الخلفيات، بمن فيهم من يؤيدون حزب الله أو غيره من القوى السياسية.

ولهذا فالقول بإمكانية استهداف هذه المؤسسات، وكأنها أهداف عسكرية، ليس فقط انحطاطًا أخلاقيًا، بل هو عبث فكري. هو تجريم لمجتمع كامل من الأطباء والأساتذة والعاملين فقط لأنهم موجودون بجانب مجتمعهم، وهو تحويل للجامعات إلى ساحات انتقام أيديولوجي.

وإذا كانت المفارقة لا تزال تحتاج إلى توضيح، فلننظر إلى الصورة الأوضح: أب يهدد بقصف الجامعات، وابن يبني مستقبله داخلها، والأمثلة كثيرة وحتى صارخة.

ابن نعيم قاسم، أستاذ محاضر في إحدى جامعات العاصمة، ليس استثناءً، فالقيادة نفسها التي تُشيطن ما تسميه "الجامعات الأميركية" وتضعها اليوم في دائرة الاستهداف، لديها في دوائرها الضيقة عائلات استفادت مباشرة من هذه المؤسسات. أبناء يتعلمون، ويُدرّسون، ويعملون داخل الفضاء الأكاديمي الذي يهاجمه آباؤهم في العلن.

ماذا يعني أن يتحدث الأب بلغة الدمار، بينما يعيش الابن بلغة المعرفة؟ يعني أن خطابه فارغ، وتهديده ليس لمبانٍ صمدت طوال عقود بالرغم من كل ما حصل ومر من أيام سوداء، والأفظع أن هذا يعني أن من يرفض هذه المؤسسات علنًا يعتمد عليها سرًا ليضمن مستقبلًا لا يستطيع أن يوفّره بنفسه.

ولعل المفارقة الأعمق أن هذه الجامعات خرّجت أجيالًا من أبناء المنطقة، بمن فيهم من انتهى بهم الأمر إلى دعم المشاريع السياسية التي تهددها اليوم. هذه هي طبيعة التعليم الحر: لا يلقّن، بل يُمكّن ويعطي حتى منتقديه أدوات التفكير.

أما الحرس الثوري فلا يُنتج عقولًا، بل مقاتلين. لا يصنع فرصًا بل موتًا.

لهذا يجب أن نسمي الأشياء بأسمائها، ما نشهده ليس سلوك دولة تدافع عن نفسها، بل سلوك برابرة يقفون على أبواب المعرفة، يرتعبون مما في داخلها. لأن الجامعات تكشف حقيقة بسيطة: هناك طريقة أخرى للعيش.

طالب يجلس في قاعة درس في بيروت أو الدوحة أو أبوظبي هو تهديد بحد ذاته لهذا النموذج. لأنه غير مقيد بطائفة أو ميليشيا أو أيديولوجيا مفروضة. لأنه قادر على السؤال، على التخيل، على الاعتراض.

وهذا أخطر من أي صاروخ.

اليوم، الأدلة واضحة. بنى تحتية تُستهدف. مدن تتحول إلى ساحات حرب. حياة مدنية تُختزل إلى أضرار جانبية.

والآن، الجامعات، وهي آخر مساحات الأمان النسبي، تُضاف إلى قائمة الأهداف.

لهذا يجب أن نفهم هذا الصراع كما هو، إنه حرب على روح الشرق الأوسط التي يجب أن تنتصر اليوم ضد منظومة عنف تقدم نفسها كمقاومة، لكنها في حقيقتها حارسة للموت والدمار.

على جهة، مؤسسات مختلف عليها، لكنها قائمة على فكرة أن المعرفة والكرامة والحوار لها قيمة.
وعلى الجهة الأخرى، مشروع لم يختر يومًا إلا القسر بدل التعايش، والتلقين بدل التعليم، والهدم بدل البناء.

هذا ليس نقاشًا سياسيًا بل انقسام حضاري. فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى المزيد من الميليشيات. ولا إلى "حرّاس" لا يحرسون إلا الخراب.

ما يحتاجه، بإلحاح، هو المزيد من الجامعات، المزيد من الصفوف، المزيد من المساحات التي يستطيع فيها الشباب تخيّل مستقبل لا تحدده الحروب.

لأنَّ الحقيقة في النهاية بسيطة: الخطر الحقيقي على من يحكم بالخوف ليس جيشًا، بل طالب يحمل كتابًا.

وهذه معركة الانتصار فيها لطالب العلم وليس هادمه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.