: آخر تحديث

حربٌ تُدار من خلف الستار: من يُشعلها ومن يحصد أرباحها؟

9
8
8

في كل مرة تشتعل فيها المنطقة، يتكرر المشهد ذاته: تصريحات نارية، وبيانات انتصار، وصور تُروَّج للغلبة. لكن الحقيقة التي لا تُقال بصوتٍ عالٍ تبقى واحدة: من المستفيد من هذه الحرب؟

ليس من السهل قراءة صراعٍ تتداخل فيه المصالح الكبرى مع الحسابات الإقليمية، حيث لا تبدو المعركة دائمًا كما تُعرض، ولا تُدار بالضرورة كما يُعلن عنها. كل طرف يرفع راية النصر، لكن على الأرض لا نرى إلا توترًا يتصاعد، واعتداءات تتكرر، وشعوبًا تدفع الثمن.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أمام حربٍ حقيقية أم أمام إدارة حرب؟ في عالم السياسة، لا تُقاس الحروب فقط بنتائجها المباشرة، بل بما تحققه من إعادة تشكيل للمشهد. وهنا تبرز فرضيات يطرحها اليوم كثيرٌ من المراقبين، مفادها أن القوى الكبرى لا تبحث دائمًا عن إنهاء الأزمات بقدر ما تستثمر في استمرارها، بما يضمن بقاء المنطقة في دائرة الضغط والتبعية، ويحول دون استقرارها الكامل.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل سلوكٍ إقليمي قائم على التوسع عبر الأذرع، وتغذية الصراعات، واستهداف دول الجوار، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل ما يحدث مواجهة أم مشروع نفوذ يُدار على حساب استقرار المنطقة؟

المفارقة الأكثر وضوحًا أن الجميع يتحدث عن "نصر"، لكن أي نصرٍ هذا الذي لا يُرى إلا في البيانات؟ وأي إنجازٍ يُقاس بعدد الصواريخ لا بعدد الأرواح الآمنة؟

ما نراه ليس انتصارًا، بل استنزافًا، وما يُسوَّق على أنه إنجاز ليس سوى حلقة في سلسلة صراعٍ لا يُراد لها أن تنتهي. ودول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لم تكن يومًا من دعاة الحروب، بل كانت دائمًا صوت التوازن، وحائط الصد، وصاحبة المبادرات التي تسعى إلى نزع فتيل الأزمات. لكن للصبر حدود، فالحكمة ليست تراجعًا، والهدوء ليس عجزًا، والسعي إلى السلام لا يعني القبول بالاستهداف والاعتداء المستمر.

الحروب التي تُدار من خلف الستار لا تُنتج نصرًا، بل تُنتج فوضى يُراد لها أن تطول. ومن يظن أنه يربح بإشعالها قد يكتشف متأخرًا أنه أشعل النار في محيطٍ لا يمكن السيطرة عليه. أما هذه المنطقة فقد تعبت من أن تكون ساحةً لصراعات الآخرين، ولن تسمح، بإذن الله، أن تُستنزف أمنًا أو سيادةً أو قرارًا.

الرسالة اليوم واضحة: نحن لا نبحث عن حرب، لكننا أيضًا لا نقبل بأن تُفرض علينا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.