: آخر تحديث
حين تتحول القوة العسكرية إلى عبء يكشف حدود الدولة نفسها:

جيش عند حافة الانهيار: أزمة التمدد المفرط في إسرائيل

7
7
8

عندما يحذر يائير لابيد، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق وزعيم المعارضة الحالي، من أن إسرائيل تواجه "كارثة أمنية"، فإن المسألة لم تعد قابلة للاختزال في صراع سياسي داخلي. فاستدعاء سلطة رئيس الأركان إيال زامير، والتحذير من أن الجيش قد "ينهار على نفسه"، يكشفان عن لحظة مختلفة: لحظة يعترف فيها النظام، ولو على نحو غير مباشر، بأن قدرته على الاستمرار بدأت تتآكل من الداخل.

ما يتكشف هنا ليس أزمة عابرة، بل انكشاف بنيوي عميق. لقد بُنيت العقيدة العسكرية الإسرائيلية على فرضية الحسم السريع، وعلى التفوق التكنولوجي، وعلى قدرة تعبئة الاحتياط عند الحاجة. لكنها لم تُصمَّم لحرب طويلة متعددة الجبهات تستنزف الموارد البشرية والمؤسسية على نحو متواصل. هذه الفرضية، التي شكلت أساس القوة، تتحول اليوم إلى نقطة ضعف.

الإجراءات التي تُطرح حاليًا تعكس ذلك بوضوح: تمديد الخدمة، وتوسيع نطاق الاحتياط، ومحاولات إعادة صياغة قوانين التجنيد. هذه ليست مؤشرات قوة، بل إشارات إلى نظام يحاول سد فجواته عبر الضغط على مجتمعه. كلما ازداد الاعتماد على نفس القاعدة البشرية، تراجعت القدرة على الاستمرار.

في قلب هذه الأزمة يكمن تناقض سياسي واضح. تسعى حكومة بنيامين نتنياهو إلى إدارة انخراط عسكري واسع عبر عدة جبهات، بينما تستمر في الحفاظ على ترتيبات داخلية تُضعف قاعدة التعبئة. إن الإعفاء المستمر لفئات واسعة من الخدمة العسكرية لا يمثل مجرد خلل اجتماعي، بل يخلق اختلالًا استراتيجيًا يحمّل عبء الحرب على جزء محدود من المجتمع.

ويزداد هذا التناقض حدة مع توجيه القوات العسكرية نحو إدارة العنف الاستيطاني في الضفة الغربية. لم يعد الجيش أداة للدفاع الخارجي فقط، بل أصبح قوة تُستخدم لاحتواء نتائج سياسات الدولة نفسها. هذا التحول يستنزف القدرات ويعيد توزيع الموارد على حساب الجبهات الأخرى.

ما يكشفه هذا المشهد هو تآكل فرضية طالما اعتُبرت بديهية: أن القوة العسكرية يمكن أن تعوض غياب التماسك السياسي. غير أن الواقع يشير إلى العكس. فحين تنفصل القوة عن استراتيجية سياسية واضحة وعقد اجتماعي متماسك، فإنها تتحول إلى عبء، بل إلى عامل من عوامل عدم الاستقرار.

الأمر لا يتعلق فقط بقدرة الجيش على الاستمرار، بل بصورة الدولة ذاتها. لقد قامت إسرائيل على تصور جيش قادر على الحسم الدائم، وعلى ردع لا يُكسر. الاعتراف بإمكانية الانهيار، حتى لو جاء بصيغة تحذير، هو اعتراف بتصدع هذا التصور.

تحذير لابيد لا ينبغي قراءته كإنذار مستقبلي، بل كتشخيص لواقع قائم. الأزمة ليست في الأفق، بل في الداخل، تتجلى في تراجع الجاهزية، وفي إنهاك الموارد، وفي تحول الخلل إلى حالة اعتيادية.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.