غدًا سيذوب الثلج ويظهر المرج، والأقنعة ستسقط مع مرور الوقت ليظهر جوهر الأمور وحقيقتها، الأزمة ستنتهي مهما كان ضررها وتبعاتها، واليوم يبرز الموقف الخليجي بوضوح تجاه من اختاروا الحياد السلبي أو الصمت أو أصدروا بيانات إنشائية باهتة أمام العدوان السافر الذي تشنه إيران في تصعيد خطير ضد دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة الأردنية الهاشمية، في انتهاك صارخ للقانون والأعراف الدولية وتهديد للسلم والأمن الدوليين، ويمثل تصعيدًا خطيرًا يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: "جزى الله الشدائد كل خير، وإن كانت تغصصني بريقي، وما شكري لها حمدًا، ولكن عرفت بها عدوي من صديقي"، المحن هي التي تضع حدًا للمجاملات والادعاءات وتمنح الإنسان بصيرة ليعرف من يسنده ومن يخذله، ما تمر به دول مجلس التعاون الخليجي من انتهاك سافر من قبل النظام الإيراني ليس وليد الساعة، بل هو غل وحقد كبير في أيديولوجية هذا النظام الذي نشأ منذ تأسيسه عام 1979 على تنصيب العداء لدول الجوار العربي، وتحديدًا دول مجلس التعاون الخليجي.
دول مجلس التعاون الخليجي اليوم لم تعد مجرد تكتل إقليمي عابر، بل أصبحت منظومة متماسكة تمتلك من الأدوات ما يجعل المساس بها أمرًا مكلفًا وصعبًا، وتمتلك منظومات دفاعية متطورة بالإضافة إلى تنسيق عال المستوى في الدفاع الجوي والعمليات البحرية لردع أي عدوان، وهي لا تستجدي أي دعم عسكري من أي قطر عربي، فما لديها من قوة عسكرية وسياسية قادرة على حماية شعوبها وسيادة أوطانها، لذا عندما تعتب دول الخليج العربية على صمت بعض الأشقاء فهي لا تعتب طلبًا للحماية، بل تعتب على سقوط المبادئ وتفكك مفهوم الأمن القومي العربي لدى تلك الدول، فالحماية متوفرة بسواعد أبناء الخليج، لكن المواقف السياسية هي التي تحدد من هم الحلفاء الحقيقيون في المستقبل.
ولكن ما يهمنا في هذا المقام هي المواقف الهلامية التي أبداها بعض الأشقاء العرب، تحديدًا التي حاولت تبرير السلوك الإيراني أو المساواة بين المعتدي والمعتدى عليه، حيث يُنظر إلى هذا الصمت كإضعاف للموقف العربي الجماعي وبعث رسائل خاطئة تشجع على الانتهاكات، ودول الخليج شددت على أن أي اعتداء على عضو هو اعتداء على الجميع، وأن الاستجابة المستقبلية ستأخذ في الاعتبار من وقف مع أمن المنطقة ومن فضل الصمت، وبلا شك هذا الصمت المخزي ستكون له تبعات في ملفات التعاون الاقتصادي والأمني، حيث لم تعد العلاقات تُبنى على التاريخ فحسب بل على المواقف في الأزمات والأوقات المصيرية.
لقد أثبتت الأزمة الأخيرة أن المواقف لا تُنسى ولا تتجزأ، وأن وحدة الصف الخليجي أصبحت اليوم الركيزة الأساسية في التعامل مع أي تجاهل إقليمي أو دولي لمخاطر الاعتداءات الإيرانية على دول المنطقة، وتُجمع هذه المواقف على أن المرحلة القادمة ستشهد إعادة تقييم شاملة للعلاقات الإقليمية بناءً على مواقف الدول خلال هذه الأزمة، وهذا هو المعيار الجديد في الدبلوماسية الخليجية القادمة، حيث ستنتقل دول مجلس التعاون الخليجي من سياسة الاحتواء إلى سياسة المكاشفة والمواقف الواضحة، ومن المؤكد أنه لن تكون الشراكات الاقتصادية بمعزل عن المواقف السياسية والأمنية، مما يعيد تشكيل خارطة الأمن القومي بعيدًا عن الشعارات التقليدية انطلاقًا من مبدأ المعاملة بالمثل، فمن لا يقف معنا في وقت الشدة لا ينتظر منا الكثير في وقت الرخاء، والأيام دول، ودفاتر المواقف قد فُتحت، وأن الرمادية في وقت الأزمات الوجودية ليست إلا خذلانًا لن يمحوه الزمن.


