: آخر تحديث
هاشتاك الناس

العراق بين الألم والأمل

5
5
6

في بلد تتداخل فيه صرخات الصواريخ وأنين السماء المثقلة بالطائرات والمسيّرات والصواريخ الباليستية، حيث يتقطع الصمت في أرجاء المدن ويعاد تشكيل الخوف كل ليلة، يقف العراق، ليس في حالة انكسار، بل ممتلئًا بالفخر، يبحث في الأنقاض عن شعاع من الأمل، وعن معنى للحياة لا تقضي عليه الفوضى.

هنا حيث تتشابك الأصوات القومية والدينية والعشائرية، وتُفقد الاتجاهات بين المصالح الضيقة والعقول المستأجرة، يبرز السؤال العتيق المتجدد: كيف يمكن أن ينبثق الصباح من عمق هذا الليل الطويل؟

من هنا بدأت القصة، من محيط نهري دجلة والفرات، حيث كتب الإنسان أول حرف، ووضع أول قانون، وأسس أول مدينة. العراق، الذي أهدى العالم أنبياءه وحكمته ونخيله، هو نفسه الذي عانى من ويلات الحروب وتوالت عليه الكوارث، وكأنما قدره أن يكون مرآة للألم الإنساني، وتجربة لصبر لا ينفد.

ومع ذلك، يبقى في دواخله سر البقاء، مثل جذور النخلة التي تحتضن الماء حتى في أحلك أوقات الجفاف. يفصل بين كلمتين خطوة من الحروف، وتفصل بينهما عوالم كاملة. الألم جرح مفتوح، بينما الأمل نافذة تطل على غد ممكن.

العراقي، الذي ينام مثقلًا بهموم الغد ويستيقظ على آلام الحاضر، يدرك، بالرغم من التعب، أن الحياة تنبض تحت الأنقاض، وأن كل دمعة تخبئ في طياتها بصيصًا من الخلاص. الأمل ليس إنكارًا للألم، بل هو مقاومة له، والألم ليس نهاية الطريق، بل بداية صادقة. يقول نيتشه: "من يمتلك سببًا للعيش يمكنه تحمل أي معاناة." فالألم، في جوهره، ليس مجرد معاناة، بل اختبار للوجود نفسه. فالأمم، كما الأفراد، لا تتطور في الأوقات السهلة، بل في تحدياتها القاسية مع المصائب.

العراق، في هذا السياق، ليس مجرد ضحية، بل تجربة إنسانية حية تكشف كيف يمكن للروح أن تبقى متماسكة بالرغم من الانكسارات. وكما يقول جلال الدين الرومي: "الجُرح هو الموضع الذي يدخل منه النور." ولعل جراح العراق، على عمقها، ليست سوى منافذ خفية لعبور الوعي، حيث تولد أسئلة أكبر من الألم نفسه: من نحن؟ وإلى أين نمضي؟ وكيف نحفظ إنسانيتنا وسط هذا الضجيج؟

الأمل، إذن، ليس ترفًا عاطفيًا، بل هو موقف وجودي، واختيار مدروس لمواجهة العبث. أن تؤمن بأن المستقبل لا يزال متاحًا للتشكيل، وأن ما لم يتحقق بعد ليس مستحيلًا. وفي ثنايا الحكمة العربية، يتردد معنى عميق مفاده أن الضيق ليس نهاية الطريق، بل بدايته الخفية نحو الاتساع. وقد عبّر الأقدمون عن ذلك بقولهم: "إذا ضاق الأمر اتسع"، وهي عبارة لا تُقال لمجرد المواساة، بل تنبع من تأمل طويل في سنن الحياة وتقلباتها. فالأيام لا تستقر على حال، والتاريخ لا يمضي في خط مستقيم، بل يتأرجح بين الشدة والرخاء، بين الانكسار والنهوض.

ويأتي التصديق الأبلغ لهذا المعنى في قوله تعالى: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، وكأن في تكرارها تأكيدًا إلهيًا أن الضيق لا يدوم، وأن في قلب الشدة منفذًا للنور. وهكذا، يصبح الأمل ليس ترفًا، بل يقينًا يتجدد مع كل محنة، حتى إذا بلغ الضيق منتهاه، انفتح باب لم يكن في الحسبان.

العراق، مع إرثه العريق، يبقى دائمًا على حافة التحول. في فلسفة ألبير كامو، يُطرح سؤال العبث: ماذا يفعل الإنسان عندما يبدو العالم بلا معنى؟ والإجابة ليست في الاستسلام، بل في التمرد. أن تعيش رغم كل شيء، وأن تولد معنى من قلب الفوضى.

وهذا ما يقوم به العراقي يوميًّا، حين يفتح متجره بالرغم من الخوف، أو يزرع أرضه بالرغم من القلق، أو يبتسم في وجه يوم مثقل بالغياب. إنه تمرد هادئ، ولكنه عميق، وكأن صدى حاله يقول: "أنا هنا، بالرغم من كل ما يحاول أن يدفعني إلى الغياب."

وفي حكمة عميقة لابن عطاء الله السكندري، يتجلى هذا المعنى بوضوح حين يقول: "ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك." ففي ظاهر العطاء قد يكمن حرمان خفي، وفي طيات المنع قد تُولد عطاءات لا تُرى إلا ببصيرة صابرة. وهنا تتجلى مفارقة الحياة، فليس كل ما نفقده خسارة، ولا كل ما نناله ربحًا، بل العبرة بما يؤول إليه الأثر في النفس والمصير.

الأمل، هو القدرة على إعادة رؤية الواقع، لا الهروب منه. أن تدرك في التأخر حكمة، وفي الانكسار إعدادًا لنهضة أعمق. العراق، في هذا السياق، يحتاج أكثر إلى إدراك جديد بدلاً من انتظار معجزة، إدراك ينظر إلى الماضي كدرس يجب التعلم منه، وليس كعائق، ويرى في الحاضر فرصة للتقدم، وليس لعنة.

بالرغم من التحديات الكبيرة المتمثلة في الفساد والفقر والهزائم المتكررة، إلا أن الشمس تشرق كل يوم فوق أراضيه، وكأنها تذكير مستمر بأن الحياة لا تموت. يذكرنا الفيلسوف هيراقليطس: "لا يمكنك أن تعبر النهر نفسه مرتين" وهذا ينطبق كذلك على العراق، حيث يتغير باستمرار، حتى عندما يبدو سكونه ظاهريًا. وما يمكن اعتباره ركودًا قد يكون مجرد تحول بطيء نحو نوع جديد من الوجود.

من العوائق يتولد التيسير، ومن الصعوبات يظهر الفرج، ومن المعاناة تنطلق بدايات جديدة. هذه ليست شعارات بل مبادئ خفية تسير بها الحياة. أيها المواطنون في العراق، أنتم لستم فقط شهودًا على المعاناة، بل أنتم أيضًا من يمنحها المعنى. كما قال غاندي: "في وسط الظلام، لا يتمكن النور من الانطفاء."

فلا تدعوا صعوبة واقعكم تسرق منكم الحق في الأحلام. فالأمل ليس مجرد انتظار سلبي، بل هو فعل مقاومة يومي، يبدأ بفكرة، وينمو بإرادة، ويتحقق بخطوة. تذكروا: الليل، مهما طال، لن يحجب فجرًا. والشمس، مهما غابت، تعرف دومًا طريق العودة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.