: آخر تحديث

الحرب على إيران أبعد من إسرائيل

5
5
5

أكثر ما يضلّل قراءة الحرب على إيران هو اختزالها في أنها حرب من أجل أمن إسرائيل، لا حرب تتحرك فيها مصلحة أميركا أولًا. صحيح أن أمن إسرائيل حاضر في الخطاب الأميركي، وقد يكون العنوان الأسهل للتسويق السياسي والإعلامي، لكنه لا يكفي وحده لتفسير التوقيت. ولو كانت حماية إسرائيل وحدها كافية، لما تأخر ترامب في الإقدام على هذه الخطوة إلى هذا الحد.

فالوصول إلى إيران لم يكن بداية المسار، بل جاء بعد ملفات سبقته ومهّدت له سياسيًا واستراتيجيًا.

كانت البداية من سوريا. فسقوط بشار الأسد لم يكن مجرد تبدل داخلي في دمشق، بل ضربة سياسية واستراتيجية لإيران وروسيا معًا، لأن النظام السوري كان ركيزة أساسية في مشروع طهران الإقليمي، وأهم موقع نفوذ لموسكو في المنطقة. ثم جاء تموضع النظام الجديد، وانفتاحه على الغرب وعودته إلى الحاضنة العربية الخليجية، ليؤكد أن سوريا خرجت من المسار الذي خدم إيران وروسيا لسنوات. وهكذا خسرت طهران وموسكو معًا واحدة من أهم أوراقهما السياسية والعسكرية.

ثم اتجهت واشنطن إلى ملف آخر لا يقل أهمية في ميزان القوة والطاقة. ففي نظر فريق ترامب، لم تكن فنزويلا مجرد خصم يساري في أميركا اللاتينية، بل منفذًا للطاقة المخفضة وساحة رخوة لتوسع الخصوم. وحين اقترب هذا الملف من الحسم، لم يُغلق باب النفط وحده، بل ضاقت معه مساحة المناورة أمام كوبا أيضًا، لأنها كانت تستند، في جانب من قدرتها على الصمود، إلى ما يصلها من الدعم الفنزويلي. ومن هنا لا يبدو التعامل مع فنزويلا وكوبا ملفين منفصلين، بل حلقتين في سياسة واحدة هدفها تجفيف المسارات التي تمنح خصوم واشنطن طاقة مخفضة، أو قدرة على الاحتمال، أو منفذًا لنفوذ القوى الكبرى مثل بكين وموسكو.

ويمكن القول إن الظروف نفسها بدت وكأنها تخدم واشنطن تباعًا خلال خمسة عشر شهرًا. فلم تتساقط الأحجار دفعة واحدة، بل تتابعت على نحو سياسي واستراتيجي مهّد لما بعده، خرجت سوريا أولًا من المسار الذي خدم إيران وروسيا، ثم أُنجز ملف فنزويلا، وازدادت كوبا اختناقًا، حتى بقيت إيران العقدة الأخيرة والأعلى كلفة. وهكذا لم تصل واشنطن إلى طهران من فراغ، بل بعد سلسلة من التحولات أزاحت الساحات الأقل ثمنًا، وأبقت المواجهة الأصعب مع الطرف الأعلى كلفة.

وما جعل إيران الطرف الأعلى كلفة أن إخراجها من المسار الذي خدم خصوم واشنطن لم يعد ممكنًا بالضغط السياسي وحده، بل احتاج إلى الحرب. لكن الغاية من هذه الحرب لا تختزل في أمن إسرائيل وتخصيب اليورانيوم، بل تتصل أيضًا بالنفط ومشتقاته، وأسعاره مستقبلًا، وبالممر المائي الحاكم لحركة الإمدادات والطاقة، وبما يتيحه ذلك للصين من طاقة بأسعار مخفضة تضمن لها نموًا بأقل كلفة، وهي في المحصلة مصالح أميركية بحتة.

ومع ذلك يبقى سؤال مهم. فإذا كانت الحرب ترفع أسعار النفط، وتغذي التضخم، وتضغط على الأسواق، وتزيد احتمال بقاء الفائدة مرتفعة أو رفعها من جديد، فلماذا قبلت بها إدارة تعرف حساسية المستهلك الأميركي تجاه ارتفاع أسعار الوقود وكلفة المعيشة؟

الجواب الأرجح أن واشنطن لا تريد أسعارًا مرتفعة لزمن طويل، لكنها قبلت بصدمة قصيرة أو متوسطة الأجل على أمل أن تنتج عنها مكاسب أكبر. فالكلفة النفطية المؤقتة قد تُحتمل إذا قادت إلى تغيير أعمق في خرائط الطاقة والممرات والنفوذ. ومجرد شعور آسيا بأن هرمز لم يعد ممرًا مضمونًا يرفع قيمة البدائل، ويعيد خلط حسابات الاستيراد والتخزين والتأمين، ويمنح واشنطن مساحة أوسع في أي ترتيبات أمنية لاحقة لحماية الملاحة أو تسويق منتجاتها البديلة. لذلك يبدو أن فريق ترامب تعامل مع ارتفاع النفط على أنه كلفة مؤقتة يمكن احتمالها إذا أنتجت عائدًا جيوسياسيًا أطول عمرًا.

وأخيرًا، ماذا يمكن لدول الخليج أن تفعل وهي مقحمة في حرب ليست حربها أصلًا؟ أول ما يجب قوله إن إسقاط نظام طهران، أو تقييده على الأقل، مصلحة خليجية صريحة، مهما حاول بعض المرجفين والمهولين تصوير الحرب كارثة على الخليج. فإيران كشفت همجيتها وهي لم تملك السلاح النووي بعد، فكيف لو امتلكته وأصبح ابتزازها للمنطقة محميًا بردع نووي.

ثم إنَّ دول الخليج لا ينقصها السلاح، لا دفاعًا ولا هجومًا، لكنها لا تحتاج إلى استنزافهما معًا. الأجدى أن تُحكم دفاعها، وتكتفي بذلك ما دام هناك من يتولى الهجوم. بهذه الطريقة تحفظ قوتها، وتتجنب كلفة الاندفاع المباشر، وتنتظر اتضاح المشهد من غير أن تفرط بأمنها أو مصالحها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.