: آخر تحديث

حين تتكفّل الكلمةُ بحراسة الوطن

5
3
5

ليس جديدًا على هذه الأمة أن تجعل للكلمة دورًا موازيًا للسيف، بل إن تاريخها يؤكد أن المعركة كانت تُخاض على جبهتين: جبهة تُدافع عن الأرض، وأخرى تُدافع عن الرواية، ولعل أبلغ ما يُستشهد به في هذا السياق موقف النبي حين أمر حسان بن ثابت أن يردّ على قريش بشعره، بل ودعا له تأييدًا وتثبيتًا، في إشارة عميقة إلى أن الكلمة ليست زينة للحظة، بل أداة دفاع، وصياغة وعي، وحماية صورة.

في ذلك الموقف تتجلى رؤية تتجاوز حدود الزمن، إذ لم يكن الشعر عند النبي مجرد رد هجائي، بل كان بناءً للمعنى، وتثبيتًا للحق في وجه خطاب يحاول التشويه والتقليل، وكأن الرسالة كانت واضحة: كما أن هناك من يقف في الميدان بسيفه، فهناك من يجب أن يقف في ميدان الكلمة، يحفظ الحقيقة من التحريف، ويمنحها صوتًا يصل إلى القلوب قبل الأسماع.

فإن استدعاء هذا النموذج ليس ترفًا تاريخيًا، بل ضرورة معاصرة، فجنود الوطن اليوم، وهم يقفون على الثغور، لا يحتاجون فقط إلى الدعم المادي والمعنوي المباشر، بل إلى من يحفظ بطولاتهم في الذاكرة، ويمنحها الامتداد الذي تستحقه، إنهم يؤدون دورهم في صمت كثيرًا ما لا يُرى، وهنا يأتي دور الأديب والشاعر والمثقف ليجعل هذا الصمت ناطقًا، وهذه التضحيات حاضرة في الوعي العام.

الأدب، حين يتكئ على هذا الفهم، لا يتحول إلى خطاب إنشائي، بل يصبح فعلًا حيويًا يلتقط التفاصيل الإنسانية العميقة: لحظة الوداع، وثقل المسؤولية، ويقين التضحية، وهذه التفاصيل هي التي تصنع الارتباط الحقيقي بين المجتمع وجنوده، لأنها تنقل الصورة من مستوى الخبر إلى مستوى الشعور.

والشعر، بوصفه أقرب الفنون إلى النفس العربية، يملك قدرة خاصة على تخليد هذه اللحظات، إنه لا يكتفي بوصف البطولة، بل يعيد تشكيلها في قالب يجعلها قابلة للاستدعاء في كل حين. القصيدة التي تُكتب في الجندي، ليست مجرد مدح، بل هي توثيق وجداني، يحفظ القيمة ويمنحها امتدادًا يتجاوز زمن الحدث.

أما الفن بمختلف أشكاله، من أغنية تُردَّد، إلى مشهد مسرحي يُجسَّد، فإنه ينقل هذه المعاني من حيز اللغة إلى حيز التجربة. المسرح، على وجه الخصوص، يضع المتلقي داخل الحدث، يجعله يرى ويسمع ويشعر، فتتحول البطولة من فكرة ذهنية إلى تجربة حية، وهذا هو أعمق أشكال التأثير.

إن المؤسسات الثقافية، والأندية الأدبية، ليست أماكن للقراءة فقط، بل فضاءات لصناعة هذا الوعي، حين تُخصَّص ندوات للحديث عن الجنود، وتُقام أمسيات تُنشد فيها قصائدهم، وتُعرض أعمال فنية تُجسد تضحياتهم، فإننا لا نحتفي بهم فحسب، بل نبني ذاكرة جماعية تحفظ مكانتهم، وتمنع ذوبان أثرهم في زحام الأحداث.

الحقيقة التي لا ينبغي أن تُغفل: إن الكلمة إذا غابت، غابت معها الرواية، وإذا غابت الرواية، ضعفت صورة البطولة في الوعي العام، أما إذا حضرت الكلمة الصادقة، المدعومة بوعي فني، فإنها تتحول إلى جدار يحمي هذه الصورة من التلاشي، ويجعلها جزءًا من تكوين الإنسان ذاته.

لقد فهمت الأمة منذ بداياتها أن الدفاع لا يكون بالسلاح وحده، وأن للكلمة موقعًا لا يقل أهمية. واليوم، ونحن نرى جنودنا يكتبون بدمهم سطورًا من الشرف، فإن أقل ما يُنتظر من مثقفينا وأدبائنا أن يكتبوا بوعيهم ما يحفظ هذه السطور من النسيان. فبين جندي يحمي الأرض، وشاعر يحمي المعنى، يكتمل الوطن في صورته التي تليق به.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.