في مثل هذه الأيام قبل سبعة وأربعين عامًا، وقف العالم مندهشًا أمام مشهد لم يكن يتخيله أكثر المتفائلين جرأة؛ توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. آنذاك، وُصف التحرك الذي قاده أنور السادات ومناحيم بيغين بأنه "مقامرة كبرى" في قلب رمال الشرق الأوسط المتحركة. واليوم، ونحن نتأمل تلك العقود، نكتشف أن ما بدأ كمخاطرة تحول إلى "حجر الزاوية" الذي لم تنجح أعتى العواصف في زحزحته.
اختبارات النار والدم
إن القيمة الحقيقية لأي اتفاق سياسي لا تكمن في مراسم توقيعه، بل في قدرته على الصمود حين تشتعل الجبهات. وبالنظر إلى الخارطة الزمنية منذ عام 1979، نجد أن المنطقة مرت بزلازل سياسية وعسكرية كفيلة بتمزيق أقوى المعاهدات: من حروب لبنان والانتفاضات الفلسطينية، وصولًا إلى "الربيع العربي" الذي أطاح بأنظمة راسخة، وانتهاءً بحرب "السيوف الحديدية" وتداعياتها الإقليمية المعقدة.
وبالرغم من الغليان في الشارع العربي، واستدعاء السفراء، والخطابات الدبلوماسية الحادة، إلا أن حقيقة واحدة ظلت شاخصة: لم تقم أي دولة، من مصر والأردن وصولًا إلى دول "اتفاقيات إبراهيم"، بإلغاء معاهدتها مع إسرائيل.
لماذا لم تسقط الأوراق؟
السر لا يكمن في كونها قصة غرام دبلوماسي، بل في براغماتية المصالح العميقة. بالنسبة إلى القاهرة وعمان، السلام هو خيار استراتيجي يحفظ الاستقرار الحدودي ويضمن تدفق الدعم الدولي. أما بالنسبة إلى دول الاتفاقيات الإبراهيمية، فقد أثبت السلام أنه محرك نمو يتجاوز الشعارات، حيث بُنيت علاقات قائمة على الابتكار، والتكنولوجيا، والأمن المشترك في مواجهة التهديدات الإقليمية.
لقد انتقلنا من نموذج "السلام البارد" الذي يحفظ الأمن فقط، إلى نموذج "السلام الوظيفي" الذي يربط الاقتصادات ببعضها، مما يجعل ثمن التراجع عن السلام أغلى بكثير من كلفة الاستمرار فيه.
ما وراء الأفق: ماذا يخبئ المستقبل؟
بحلول عام 2026، ومع كل التحديات الراهنة، يمكننا استخلاص ثلاث خلاصات مركزية لمستقبل المنطقة:
1. انفصال المسارات: أثبتت العقود الماضية أن الدول العربية باتت تمتلك القدرة على "إدارة المسارات"، حيث تساند الفلسطينيين في المحافل الدولية، بينما تحافظ في الوقت ذاته على مصالحها الوطنية العليا المرتبطة بالاستقرار مع إسرائيل.
2. السلام كأداة لإدارة الأزمات: لم تعد الاتفاقيات مجرد "ورقة"، بل تحولت إلى قنوات خلفية حيوية للتوسط في الأزمات المعقدة، من ملفات الرهائن، إلى تهدئة الساحات المشتعلة.
3. رسالة إلى المترددين: إن صمود هذه الاتفاقيات في ذروة الحرب الحالية يرسل رسالة قوية إلى دول محورية أخرى في المنطقة بأن السلام مع إسرائيل ليس "بناءً هشًا"، بل هو تحالف صلب قادر على تحمل ضغوط الواقع الأليم.
وخلاصة القول إن مرور 47 عامًا على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية هو تذكير بأن السلام في منطقتنا ليس "ترفًا"، بل هو شبكة أمان واقعية. قد لا يكون السلام الذي حلم به المثاليون، لكنه السلام الذي يحتاجه الواقعيون لضمان البقاء والاستمرار وسط إقليم لا يكف عن الاشتعال.


