منذ الأزل، كان الإنسان وهو يواجه الظواهر الطبيعية التي كانت أكبر من مدى فهمه وتصوراته، ويهيمن عليه شعور بالخوف والرهبة، مما كان يجبر عقله الباطن على التحرك من أجل منحه شيئًا من الطمأنينة من خلال تقديم تفاسير ميتافيزيقية لها، والسعي من أجل إيجاد ثمة رابط بينه وبينها يتم منحه بموجبه ثمة شعور بالأمان.
ومن المفيد هنا أن نشير إلى أن ويل ديورانت كان يرى بأن الأساطير كانت المحاولة الأولى للإنسان لفهم العالم قبل ظهور العلم والفلسفة، بل وحتى إن ديورانت رأى بأن كثيرًا من العقائد الدينية بدأت كأساطير ثم تطورت إلى نظم دينية منظمة مع طقوس وأخلاق، والمثير أن الإنسان على مر العصور ظل يلوذ بالأساطير ويحاول من خلالها أن يجد أجوبة لظواهر وأمور غير عادية، مع ملاحظة مهمة إن رجال الدين والحكام الاستبداديين قد استخدموا الأساطير والأديان بصورة وأخرى لخدمة أهدافهم ومرامهم، ولاسيما في الفترات الحرجة والصعبة التي كانت تسهل لهم الأمور، والأكثر إثارة للدهشة هنا إنه حتى في هذا العصر لا تزال ثمة أساطير ونبوءات تشغل البشرية وتأخذ حجمًا كبيرًا من اهتماماتها، كما هو الحال مع تنبؤات نوستر أداموس.
اليوم، وفي خضم الحرب المستعرة الجارية، التي أود هنا أن أذكر وجهة نظر ربما قد يرفضها البعض ويجدها غير صحيحة، لكنها الحقيقة باعتقادي، وهي أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تهاجما نظام الملالي للأسباب المعلنة، أي السعي لامتلاك السلاح النووي والصواريخ البالستية والتدخلات في بلدان المنطقة، لا سيما أن حرب الأيام الـ12 قد قضت على برنامجها النووي مثلما تم قبل ذلك تحجيم نفوذه في المنطقة، بل إن القرار قد تم اتخاذه بإنهاء هذا النظام لأنه تجاوز الحد المسموح له، وإن ترامب وإسرائيل مجرد أداتين لتنفيذ هذه المهمة.
وهذا القرار سينفذ حتمًا كما جرى تنفيذه من قبل بحق صدام حسين ومعمر القذافي وباتريس لومومبا وغيرهم ممن على نفس الشاكلة، لكن ولأن نظام الملالي معروف بطينته المعقدة ورغبته المتناهية في التمسك بالسلطة التي منحها بعدًا مقدسًا لضمان عدم إسقاطه، فإنه يقوم بأكبر حملة من نوعها في مواجهة هذا القرار، حيث لا يكتفي في حربه النفسية المضادة بالتأكيد على إنه يمتلك أسلحة فتاكة أكثر تطورًا وسوف يستخدمها في الوقت المناسب، بل ويلوذ أيضًا بالمسائل الدينية فيثير بطرق وأخرى ما قد ذكر من تفاسير للآية رقم 4 من سورة الإسراء "وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوًا كبيرًا"، والتركيز على إنها تبشر بنهاية إسرائيل.
لكن من الضروري جدًا هنا أن ما يشاع بكون نظام الملالي يمتلك أسلحة فتاكة لم يقم باستخدامها لحد الآن، مع ضرورة لفت الأنظار إلى إن روسيا تلعب دورًا بهذا الصدد لأهداف تتعلق بمصالحها في إيران، فإننا وعندما رأينا ونرى حجم الاختراق الأمني الجاري لهذا النظام والذي تجاوز كل الحدود، فهل يعقل بأن من يصطاد قادة النظام وفي مقدمتهم خامنئي ويتمكن من الاستحواذ على نصف طن من الوثائق السرية المتعلقة بالبرنامج النووي، ليس لديه معلومات عن هكذا أسلحة فتاكة؟ وقد قيل حدث العاقل بما لا يليق، فإن صدق فلا عقل له.
أما بالنسبة إلى الآية 4 من سورة الإسراء فإن التفاسير عليها كثيرة ومختلفة، وقد اطلع كاتب هذه الأسطر على آراء العديد من المفسرين أيام كان أسيرًا في إيران لأكثر من 8 أعوام، ولا سيما للعلامة محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان، ولمحمد جواد مغنية في "الكاشف"، وتفسير "المنار" للإمام محمد عبده، فقد كان هناك اختلاف بشأن ذلك، وبشكل خاص فيما يتعلق بالزمن، فيما إذا كان قد مضى أم لا ومتى سيكون حلوله، لكن الملاحظة الأهم هنا، هي إن الذي في طريقه للنهاية هو نظام الملالي وليس إسرائيل التي يعلم العالم قدراتها العسكرية والاستخبارية بالإضافة إلى الحماية الاستثنائية التي تحظى بها من جانب البلدان الغربية، وبشكل خاص الولايات المتحدة، وإن التركيز على نهاية إسرائيل، خصوصًا عندما يلجأ إلى ذلك كتاب غير متدينين، هو لصرف النظر عن النهاية التي سنراها عما قريب، سواءً أثناء هذه الحرب أو بعدها بفترة لا تتعدى بضعة أشهر على أبعد تقدير.


