: آخر تحديث

إيران الواحدة كذبة سياسية وعشر معارضات تكتب النهاية

3
4
4

ليست المشكلة في إيران أنها دولة صلبة كما تبدو من الخارج، بل في أنها دولة تُدار ككتلة واحدة بينما تعيش في الداخل كأطياف متعددة متنافرة، كل طيف يحمل ذاكرة مختلفة، وهوية متوترة، ورغبة مؤجلة في إعادة تعريف العلاقة مع المركز!

من يقرأ المشهد الإيراني بعين سطحية يرى نظامًا متماسكًا، لكن من يقترب أكثر يكتشف أن ما يُسمى (إيران) هو في الحقيقة مساحة جغرافية تتقاطع فيها قوميات، وأيديولوجيات، ومشاريع سياسية متناقضة، تنتظر جميعها لحظة اختلال حقيقي كي تخرج إلى العلن!

المفارقة أن المعارضة الإيرانية في الخارج لا تعكس صورة واحدة، بل عشر صور متباينة، لا يجمعها هدف موحد بقدر ما يجمعها خصم مشترك. هناك معارضة تتحدث باسم القومية الفارسية وتريد استعادة الدولة المركزية بصيغة أكثر انفتاحًا، وأخرى ترى أن المشكلة في أصل هذه المركزية وتبحث عن تفكيكها لصالح هويات محلية أقدم وأعمق. وبينهما تقف تيارات تحاول إعادة صياغة الدولة دون أن تمس بنيتها الجغرافية، لكنها تصطدم بسؤال الهوية الذي لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.

في الأطراف، حيث الجغرافيا تتحول إلى هوية سياسية، تبدو الصورة أكثر وضوحًا، في الجنوب الغربي، هناك مجتمع عربي يرى نفسه خارج معادلة التمثيل الحقيقي ويسعى لاسترداد دولته المحتلة، وفي الشمال الغربي كتلة كردية تمتلك خبرة طويلة في التنظيم والعمل السياسي العابر للحدود، وفي الشرق بيئة بلوشية تعيش على تماس دائم مع التوتر الأمني، بينما في الشمال الغربي أيضًا يبرز حضور أذري واسع يحمل حسًا قوميًّا متناميًا وإن كان أقل صخبًا، هذه الكتل ليست مجرد أقليات، بل مشاريع كامنة، لكل منها سرديته الخاصة عن الدولة والسلطة والانتماء.

في المقابل، تتحرك المعارضة السياسية التقليدية في الخارج ضمن مسارات مختلفة تمامًا، التيار الملكي يحاول استعادة شرعية تاريخية عبر رمزية الماضي، لكنه يصطدم بواقع اجتماعي تغير جذريًا، التنظيمات الثورية القديمة، التي كانت يومًا ما لاعبًا رئيسيًا، فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على التأثير داخل المجتمع الإيراني، بالرغم من احتفاظها بهياكل تنظيمية خارجية. أما التيارات الليبرالية الجديدة، فهي تمتلك خطابًا مقبولًا دوليًّا، لكنها تفتقر إلى الامتداد الشعبي العميق داخل الداخل الإيراني، وهو ما يجعلها أقرب إلى النخب منها إلى الحركات الجماهيرية.

هذا التعدد في المعارضة لا يعني بالضرورة قوة، بل قد يكون مصدر ضعف بنيوي. فغياب الرؤية المشتركة لما بعد النظام يخلق فراغًا استراتيجيًا يجعل أي تغيير محتمل محفوفًا بمخاطر الفوضى، والسؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه هو: ماذا بعد؟ هل نحن أمام مشروع دولة بديلة، أم أمام لحظة تفكك تعيد رسم الخريطة السياسية بالكامل؟ التاريخ القريب في المنطقة يقدم أمثلة واضحة على أن إسقاط الأنظمة دون تصور واضح للبديل قد يفتح الباب أمام صراعات أكثر تعقيدًا.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن النظام الإيراني نفسه ساهم في تعميق هذا التعدد. سياسات المركز، وطبيعة توزيع السلطة، والتعامل الأمني مع الأطراف، كلها عوامل عززت الشعور بالاختلاف بدلاً من احتوائه. ومع كل أزمة اقتصادية أو سياسية، تتسع الفجوة بين المركز والأطراف، وتتحول المطالب من تحسين شروط الحياة إلى إعادة تعريف العلاقة مع الدولة. هنا تحديدًا يبدأ التحول من احتجاج إلى مشروع سياسي، ومن مطلب إصلاحي إلى نزعة انفصالية أو شبه انفصالية.

العامل الدولي يزيد الصورة تعقيدًا، فبعض هذه التيارات يجد دعمًا أو تعاطفًا خارجيًا، ليس بالضرورة بدافع الإيمان بقضيته، بل أحيانًا كأداة في صراع أوسع. هذا التداخل بين المحلي والدولي يجعل من المشهد الإيراني ساحة مفتوحة لاحتمالات متعددة، حيث يمكن لأي تغير داخلي أن يتقاطع بسرعة مع حسابات إقليمية ودولية، ما يضاعف من حجم التأثير ويعقّد مسارات الحل.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن فكرة (إيران الواحدة المتجانسة) لم تعد قابلة للتسويق كما في السابق. الواقع على الأرض يشير إلى تعددية عميقة، ليس فقط في الهويات، بل في الرؤى السياسية للمستقبل. هناك من يريد إصلاح النظام، ومن يريد تغييره، ومن يريد تجاوزه بالكامل. وبين هذه الرغبات المتضاربة، تتشكل معادلة جديدة لا يمكن فهمها من خلال عدسة واحدة.

اللحظة الفارقة، إن جاءت، لن تكون مجرد سقوط نظام أو تغيير حكومة، بل إعادة تشكيل لمفهوم الدولة ذاته داخل هذه الجغرافيا. حينها، لن يكون السؤال عن من يحكم فقط، بل عن شكل الكيان الذي سيحكم، وحدوده، وهويته، وطبيعة علاقته بمكوناته المختلفة. وهذا ما يجعل المشهد الإيراني اليوم أكثر تعقيدًا مما يبدو، وأكثر قابلية للتحول مما يتوقعه كثيرون.

إيران، بهذا المعنى، ليست على حافة تغيير سياسي تقليدي، بل على تخوم إعادة تعريف شاملة، حيث تتقاطع عشر معارضات، وعشرات السرديات، في انتظار لحظة واحدة قد تعيد كتابة كل شيء.

ختامًا، في لحظات التحول الكبرى، تُختبر الدول بقدرتها على احتواء تنوعها لا قمعه، والاعتراف بحقوق المكونات وتمكينها سياسيًا وثقافيًا يفتح الباب لخيارات أكثر عدلًا واستقرارًا، وحين تُصان الكرامة ويُسمع الصوت، يصبح المستقبل نتيجة توافق واعٍ لا فرض قسري، وهذا ما لا يفهمه الملالي كتنظيم إرهابي إقصائي!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.