: آخر تحديث

أبناء الصدفة الجغرافية: لماذا نقتل بعضنا باسم الله؟

5
5
6

رسالتي هذه إلى كل من أشعل حربًا أو دعا إليها منذ فجر الخليقة وحتى هذه اللحظة: لا وفقكم الله.

إلى المتناحرين جميعًا، ظالمًا ومظلومًا: الفرق بينكم ليس في المبادئ بقدر ما هو في "إحداثيات المكان". صدفة جغرافية بحتة، اقترنت بلقاء أبويك في بقعة ما، وزمن ما، لتجد نفسك في المحصلة مسلمًا أو مسيحيًا، يهوديًا، عربيًا أو كرديًا. تدافع عن قضية المذهب والعرق، فقط لأنها هويتك.

هذه الحرب الأخيرة تحديدًا، تبدو ملعونة بكل لغات الأرض. تأتينا في عصر العولمة والمعلومات والذكاء الاصطناعي، لتلاحقنا أخبارها من كل زاوية. إنها كالمسامير التي تنغرز في جراحنا القديمة، لتعيد الحياة لكل الوجع الذي ظننا أنه مضى.

تستيقظ الذاكرة فجأة على صورة قريبي وجارنا الطيب "العقيد خالد"، أول شهداء العراق.

كنت طفلًا أراقب أول معنى لليُتم في جنازة مهيبة. علقت رقعة سوداء على جدار البيت، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى صار السواد جزءًا من ملامح الشوارع، ومع "غزارة" الموت، فقدت الجنازات هيبتها.

حتى شرطي المرور سئم من إيقاف السير لمرور الجنازات، وسائقو السيارات فقدوا صبرهم على الموكب البطيء، يطلقون الزمامير الطويلة ويتجاوزون النعش سريعًا، وفي أحسن الأحوال، يرفع السائق يده، تحية عابرة، ثم يمضي. لقد تبلدنا، وتجمدت كل الأحاسيس.

حاولت تأجيل المواجهة، تمارضت ثم رسبت واعتقدت أن الحرب ستنتهي، إلا أنها استمرت تحصد الأرواح.

كنت أتساءل: كيف أطلق النار على إنسان لا أعرفه؟

بقيت عالقًا بين الخوف والرفض متخلفًا عن الخدمة الإلزامية، بينما كانت أمي تبكي: "ابني، ستجلب لنا المتاعب".

وبعد فترة التحقت بشركة بناء عسكرية، ولم يمض وقت طويل حتى قتل صديقي الطبيب الشاب أحمد، وحيد العائلة، ورأيت كيف ذابت أمه كشمعة القداس، ففهمت ما تعنيه كلمة أم ثكلت بوحيدها، لم يعد هناك بيت بلا عزاء، وأصبح في كل شارع وبيت أيتام وأرامل ودموع لا تجف.

وفي المقابل، كان صوت الحاكم يعلو "العراقي مشروع دائم للاستشهاد"، بدلًا من أن يعدنا بمشاريع للحياة، يدعمه صوت الوعاظ يذكر العالم "الشهيد حبيب الله".
ورأيت بعيني أمًّا تبكي وتضحك مبتهجة بحالة هستيرية بمقتل ابنها وتقدم بقية أبنائها قربانًا للوطن، وكنت متفرجًا غصبًا عني، وكذلك كانت شاشة التلفاز تقدم لنا يوميًا صور القتلى والدمار في برنامج "صور من المعركة".

ما أن وقفت الحرب وانتهينا من اجتياح الكويت، حتى جاءت سنوات الحصار لتعصر الشعب وتجعله يبيع كل مدخراته، ويتحول من شعب مرفه إلى شعب فقير.

وبدأت الرشوة، التي وُلدت في زمن الحرب، تتفشى في الحياة المدنية حتى تحولت إلى عادة.

وتوالت الفصول، كل فصل أكثر قسوة من الذي قبله. عراقي يقتل عراقيًا ويبرر الأمر باسم الله الرحمن الرحيم.

تفجيرات، وكواتم صوت، وصرخات "الله أكبر" تتقاطع في القتل والانتقام.

حتى وصلنا إلى زمن يطالب فيه سياسي علنًا بذبح "سبعة مقابل سبعة"، ويجد من يصفق له.

تعلّم الناس الكراهية لأسباب طائفية وعرقية تافهة، بينما يرددون قول الإمام علي كرم الله وجهه:

"الناس صنفان: أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".

وسط كل هذا، تذكرت تجربة في النرويج:

خرج من حي واحد 25 انتحاريًا باحثين عن الجنة، لم تقابلهم الدولة بالمشانق، بل بفرص حياة، وعمل، وأمل، ومستقبل واعد. فتوقف النزيف.

رباط القصة أن الحياة تستحق أن نعيشها لنحيي رسالة الله بدلًا من أن نقتل كل القيم السماوية ونمشي في جنازتها ونحن نصرخ: "الله أكبر".

غدًا، سيعيد التاريخ نفسه ببلادة معهودة.

ستنتصر أميركا، وستنتصر إيران، وستصدح الأهازيج في شوارع العراق ولبنان.

الكل سيخرج "منتصرًا" في البيانات الرسمية، ولا أحد سيتذكر أن الضحية الوحيدة كان "الإنسان".

ذلك الإنسان الذي مات ولم يدفن، وصار قبره بلا اسم، أو حجرًا باردًا في نصب الجندي المجهول، أو عائلة تعود منقوصة العدد إلى بيتها المهدم.

وفي الخلفية، نسمع أصوات المسلمين، والعرب منهم على وجه الخصوص، تعلو بعبارات:

"صبر جميل وبالله المستعان".

وهكذا، نعود من حيث بدأنا، نقتل بعضنا بينما نروي للأجيال القادمة حكايتنا العبثية:

"كان يا ما كان".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.