الحروب لا تقتل الجنود وحدهم، بل كذلك البنية التحتية.
لا يمكن اعتبار محطات توليد الكهرباء، ومنشآت تحلية المياه، وأبراج نقل الطاقة، ومستودعات الوقود، في النزاعات الحديثة، ضمن الأضرار الجانبية، بل يجب أن تُحسب ضمن المستهدفات الرئيسية. يظهر هذا النهج غير الأخلاقي جليًا في الصراع الدائر في منطقة الخليج اليوم، حيث يُناقَش صراحةً استهداف البنية التحتية المدنية في دول مجاورة لا علاقة لها بالحرب.
عسكريًا، "يكفي أن تُعطَّل الشبكة لتتعطّل الأمة". بل وحتى دون هجوم عسكري، قد تكون اضطرابات سلاسل الإمداد وحدها كافيةً للإضرار بالاقتصاد. فهذا الأسبوع، تعتمد مصر تدابير جديدة لترشيد الطاقة، تشمل قطعًا كهربائيًا شاملًا على مستوى الجمهورية اعتبارًا من الساعة التاسعة مساءً. وستُفرض إجراءاتٌ أشد صرامةً عند الحاجة.
المملكة العربية السعودية ليست في حرب، لكنها في منطقةٍ تشتعل فيها الحرب. وهذه اللحظة تدعو كل صانع قرار، ومالك عقار، ومطوّر، ومخطط عمراني إلى طرح سؤالٍ واحد استشرافي:
كيف نبني ونشغّل وطنًا لا يمكن أن تُسلَب أو تنطفئ طاقته
الجواب أقرب مما يظن أغلبنا. إنه يبدأ من السطح.
لا مركزية توليد الطاقة في مقابل التوجه المركزي
كل منظومة مركزية، بما فيها منشآت توليد الطاقة وشبكات توصيلها، مهما بلغت جودة هندستها، تجتمع فيها صفتان: تركيز الطاقة و"الهشاشة" أو سهولة التخريب.
شبكة التوليد المركزي بها نقطة فشل واحدة أساسية، أي يمكن تعطيلها بخطوة واحدة. وهذا ليس انتقادًا لطريقة بناء المنظومة، بل هو ببساطة شرح لمشكلة مركزية التوليد.
توليد الطاقة الموزّع أو من مناطق متفرقة، عبر أسطح المباني، والواجهات، ومظلات المواقف، والأفنية المكشوفة، لم يعد مجرد طموح ذي جوانب أخلاقية تعبر عن المسؤولية البيئية، بل بات ضرورةً استراتيجية لا يمكن عرقلتها أو تعطيلها.
سطح المبنى هو أحد أصول الأمن الوطني
في بلدٍ يتمتع بوفرة شمسية استثنائية، كل سطحٍ سكني، وكل واجهةٍ تجارية، وكل مظلة موقف، وكل فناء مدرسة، كل واحدة من هذه الأسطح مصدرٌ محتمل للطاقة، ينتظر التفعيل.
الأسطح الأفقية والرأسية للمباني هي أصولٌ استراتيجية. حيٌّ يولّد كهرباءه بنفسه لا يمكن أن يُظلِمه نزاع عسكري بعيد. مستشفى مزوّد بألواح شمسية على سطحه وبطاريات تخزين يواصل عمله حين تتعثر الشبكة الأوسع. ومجمعٌ سكني يعتمد التوليد الموزّع يحافظ على وظائفه الأساسية حين تتعرض بنية النقل للخطر.
يُسمّي المخططون العسكريون هذا المبدأ "المرونة عبر التوزيع". قد يكون الوقت ملائمًا لتُخطَّط مدننا ومبانينا وتُجهَّز بالمنطق ذاته. وهو جهد يمكن أن يأتي من الأعلى إلى الأسفل أو بالمجهود الفردي من الأسفل إلى الأعلى.
المنطق الاقتصادي داعم لفكرة التوليد المحلي وغير المركزي
يأتي الربح الحقيقي والعملة "الصعبة" من التصدير، لا من الاستهلاك المحلي. ثمة حجةٌ اقتصادية تتخطى الأمن، فالتوليد المحلي للطاقة مُضاعِفٌ اقتصادي.
كل كيلوواط ساعة تُولَّد محليًا من الطاقة الشمسية وتُستهلك في موقعها، هي كيلوواط ساعة من الوقود الأحفوري مُحرَّرةٌ لأسواق التصدير. إنها عائدٌ إضافي بأسعار السوق العالمية، يُكسَب بعملةٍ أجنبية، ويصبّ في الاقتصاد الوطني ويُسهم مباشرةً في الثروة الوطنية.
يُضاف إلى ذلك أن التوليد المباشر وغير المركزي من السطح، مثلاً طاقة شمسية لكهرباء، يتجنب الهدر في تحويل الطاقة من نفط ثم مشتقات ثم كهرباء ثم نقل عبر مسافات بعيدة. كل خطوة تصاحبها خسائر يمكن تفاديها لرفع الكفاءة الاقتصادية.
إعادة التفكير في التبريد، أكبر فرصنا
لعل أفضل مصادر الطاقة المتجددة على الإطلاق هو ترشيد الطاقة. ولا مجال أكثر أهميةً لتطبيق هذا المبدأ من قطاع التبريد.
التبريد ضرورةٌ حياتية في المملكة العربية السعودية. بحصته التي تقترب من 70 بالمئة، هو المكوّن الأكبر للطلب الوطني على الكهرباء. مصادر متجددة مختلفة للتبريد متاحةٌ اليوم بخلاف الكهرباء، غير أنها لم تُستكشَف بالكامل في سوق البناء السعودي. والمرونة تستحق الاستكشاف والتصميم وإيجاد النماذج الاقتصادية لأجلها.
تكمن الفرصة في التعامل مع التبريد من اتجاهاتٍ متعددة في آنٍ واحد، بدلاً من الاعتماد على مسارٍ واحد. فما وراء التكييف الكهربائي التقليدي، تستحق أساليب بديلة استكشافًا جادًا على نطاقٍ واسع: شبكات التبريد المركزي، وأنظمة الامتصاص الحراري، والتبريد الإشعاعي، والتبادل الحراري بالتربة، كلها قادرة على تخفيف الاعتماد على الشبكة الكهربائية أو إلغائه كليًا في التحكم بدرجات الحرارة.
معيار المرونة يتجاوز شهادات الاعتماد البيئي
رفعت تقييمات المباني الخضراء LEED وBREEAM وغيرها سقفَ ما يُتوقَّع من المباني تحقيقه، وذلك التقدم حقيقيٌّ وجديرٌ بالتقدير، وهو يستحق أن يمضي أبعد من ذلك.
التحدي التالي هو المرونة الحقيقية والقدرة على البقاء في الظروف الصعبة.
مبنىً حاصلٌ على أعلى الشهادات لكنه يستمد طاقته كاملةً من الشبكة العامة، هو من الناحية التشغيلية رهينٌ باستمراريتها. في أوقات الأزمات، الشهادات وحدها لا تُبقي المبنى في الخدمة.
العالم بحاجةٍ إلى تحوّلٍ جذري في مفهوم أداء المبنى: من "كم يستهلك هذا المبنى من الطاقة بكفاءة" إلى "كم يستطيع هذا المبنى الصمود حين تتعطل الطاقة الخارجية؟"
التصميم هو نقطة البداية، الحل الأمثل هو الوجهة
التصميم الجيد يُجسّد الجمال في صورة تكاملٍ ناجح بين الوظيفة والشكل. الجاهزية التشغيلية ليست ترفًا، خاصة وقت الأزمات. في السياق الإقليمي الراهن، أضحى ذلك بُعدًا أساسيًا ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار. يحتاج المخططون والمعماريون والمهندسون إلى تعاونٍ حقيقي وفعّال لتحقيق "تكامل" منطقي وعالي التأثير. نعلم جميعًا، حين تُصمَّم المباني في انسجامٍ مع مناخها، تعمل الأنظمة الميكانيكية بجهدٍ أقل، وتدوم أطول، وتتسبب في تكاليف أقل في التشغيل والصيانة.
كل فراغ قابل للتصميم، مثل المدينة، والحي، والشارع، والمبنى، والغرفة، يحمل فرصًا لرفع كفاءة الطاقة. وبينما تكون التعديلات رخيصة جدًا في المراحل المبكرة، يجب استكشاف كل فرص ومجالات توفير الطاقة والراحة والكفاءة الاقتصادية باستفاضة، واختيار الحل الأمثل بموضوعية. هذا يتطلب سوقًا يُركّز على التخطيط الموجّه نحو المرونة، وهو موضوعٌ يتجاوز نقاش كفاءة الطاقة بالشكل المتعارف عليه.
ثمة علاقةٌ عكسية بين المساحة المتاحة لتوليد الطاقة، السطح، الواجهة، إلخ، ومساحة الفراغات المستهلكة. لذا سأُرجئ الحديث عن ناطحات السحاب إلى مقالةٍ أخرى للتعمق فيها بشكل أكبر.
الحاجة إلى منهجية للمضي قدمًا في التعامل مع المخزون العمراني القائم
إلى جانب الإنشاء الجديد، يمثّل المخزون الضخم من المباني القائمة في المملكة العربية السعودية تحديًا وفرصةً كبيرة في آنٍ واحد. قرارات ما إذا كان ينبغي إعادة تأهيل المباني أو إعادة توظيفها أو استبدالها لا يجب أن تُتخذ بشكلٍ حدسي أو انتهازي، بل تستلزم إطارًا قراريًا مُهيكلًا يُقيّم كل مبنى وفق معاييرٍ واضحة: العمر الإنشائي المتبقي، وإمكانية إعادة التأهيل وتكلفتها، والأداء المُحقَّق بالترقية مقارنةً بالبناء الجديد، والمكسب في المرونة من كل مسارٍ استثماري.
فرصة التشريع
تقف المملكة العربية السعودية، من نواحٍ كثيرة، في موقعٍ استثنائي للتحرك الحاسم نحو مرونة توليد الطاقة اللامركزي. الإرادة السياسية للتحول حاضرة. الموارد الاقتصادية متاحة. المورد الشمسي لا مثيل له. والرشاقة التشريعية أثبتت نفسها في كل جانبٍ مرتبطٍ برؤية 2030.
الفرصة الآن هي توسيع هذا الطموح ليصل إلى مستوى المباني، لخلق بيئةٍ تشريعية تجعل الاكتفاء الذاتي بالطاقة أحد المتطلبات المعيارية في المنشآت الجديدة، وهدفًا قابلًا للتحقيق في المخزون القائم من المباني.
الأدوات موجودة. الطموح موجود. وقد حان وقت التحرك بالحجم الذي تستدعيه هذه اللحظة.
كلمةٌ أخيرة
الوضع الإقليمي سيتطور، نسأل الله أن يكون للأفضل. لكن الإدراك الذي صقلته هذه اللحظة، أن الأنظمة المركزية تحمل في طياتها هشاشةً متأصلة، وأن المرونة من خلال تفتيت أو توزيع نقطة الضعف هي شكلٌ من أشكال القوة السيادية، سيظل هذا المبدأ طويلًا بعد أن تمضي هذه المرحلة.
أحد الاستثمارات الذكية التي تستطيع المملكة العربية السعودية القيام بها اليوم ليس مجرد زيادة طاقة التوليد على المستوى الوطني، بل هو تقريب سيادة الطاقة من الناس وإشراكهم في تكوينها على مختلف المستويات، الحي، والمبنى، والسطح.
لا لأن ذلك موضةٌ عصرية، ولا لأن شهادةً بيئية تشترطه، بل لأن أمةً تنتشر طاقتها في كل مكان هي أمةٌ لا يمكن أن تغرق في الظلام.

