ثمة من يتحرك اليوم في صمت، ليس لاحتواء تداعيات المرحلة، بل لملء الفراغ الذي قد يخلّفه تراجع الدور الإيراني، ما يجري لم يعد احتمالًا تحليليًا، بل سلوكًا فعليًا قابلًا للرصد، هناك دول إقليمية تعيد التموضع بهدف واضح، هو وراثة أدوات إيران وإعادة إنتاج نموذجها في إدارة الصراع داخل الشرق الأوسط. إن هذه ليست محاولة تكيّف، بل محاولة استعادة نفوذ عبر أقصر الطرق، وتشمل الأذرع الإرهابية، والضغط غير المباشر، وتوظيف الفوضى كأداة تفاوض، والمفارقة أن التجربة الإيرانية، التي كان يُفترض أن تكون درسًا في كلفة هذا النموذج، تُقرأ اليوم من قبل البعض كدليل نجاح، لا كتحذير.
بلا شك، المشكلة لم تعد في إيران كفاعل منفرد، بل في أن طريقتها تحولت إلى نموذج جاهز للتكرار، وهذا هو التحول الأخطر، وهو انتقال التهديد من دولة إلى منهج، فالنموذج الذي يقوم على بناء أذرع غير نظامية، وتوسيع هامش الضغط عبر الصواريخ والممرات، يمنح من يستخدمه قدرة على التأثير دون تحمّل كلفة المواجهة المباشرة، وهو ما يجعله مغريًا لأطراف تبحث عن نفوذ سريع في بيئة إقليمية مضطربة.
ولأن هذا النموذج أثبت فعاليته التكتيكية، فإن محاولة وراثته تتخذ مسارات واضحة ومقصودة، أول هذه المسارات هو إعادة بناء الأذرع الإرهابية، ليس فقط كأدوات عسكرية، بل كشبكات نفوذ سياسية وأمنية قادرة على خلق واقع تفاوضي بالقوة، دون إعلان الحرب.
هذه الأذرع تختصر الزمن، وتمنح صاحبها قدرة على التعطيل والتأثير في آنٍ واحد، والمسار الثاني يتمثل في الابتزاز المالي والسياسي، حيث يُعاد إنتاج معادلة قديمة بصيغة جديدة، استغلال الضغط لانتزاع التمويل أو فرض ترتيبات تحت عناوين الاستقرار، بينما تُستخدم هذه الموارد لاحقًا لتغذية نفس بيئات التهديد. أما المسار الثالث فهو إعادة إنتاج الخطاب الثوري والقومي، الذي يُستخدم كأداة تعبئة وغطاء سياسي، عبر إحياء سرديات العداء للغرب، والولايات المتحدة، وإسرائيل، واليهود، ليس كقناعة أيديولوجية خالصة، بل كوسيلة لتبرير مشروع نفوذ قائم على التوتر لا على الاستقرار.
غير أن هذه المسارات لا يمكن فهمها كأدوات منفصلة، بل تعبير عملي عن محاولة أوسع، وهي إحياء المنطق الثوري نفسه الذي حكم المنطقة في مراحل سابقة، ولكن هذه المرة بثوب جديد يعيد تدوير نفس فلسفة الصراع. هذا المنطق يقوم على قاعدة بسيطة وخطيرة، تتمثل في أن خلق الأزمات يمنح نفوذًا، والتوتر المستمر يفتح أبواب التفاوض، والفوضى يمكن إدارتها كأداة لا كخطر.
وهنا تتكشف الإشكالية الحقيقية، فبعض الأطراف لا تكتفي بتبني الأدوات، بل تسعى إلى شرعنتها عبر استدعاء الإرث المذهبي الشيعي وتسييسه، في محاولة لتقديم نفسها كامتداد طبيعي لهذا الدور، لكن ما يتم تجاهله أن هذا المسار لا يعيد إنتاج النفوذ فقط، بل يعيد إنتاج البيئة التي قادت إلى الصدام والعزلة.
الأخطر أن المشهد لا يتوقف عند حدود الورثة المحتملين، بل يتسع لدخول قوى إقليمية أخرى تملك أدوات مختلفة، وتسعى إلى منع احتكار هذا النموذج أو إعادة تشكيله بما يخدم مصالحها، وفي هذا السياق، يبرز دور تركيا، التي لا تتحرك ضمن نفس النموذج، لكنها لا تقف خارجه أيضًا. فأنقرة تمتلك بالفعل بنية نفوذ موازية تختلف في طبيعتها وأدواتها، وتتحرك ضمن شبكات تأثير قائمة في بيئات ذات امتداد سني سياسي واجتماعي، ما يمنحها قدرة على الحضور والتأثير دون الحاجة إلى استنساخ النموذج الإيراني بصيغته التقليدية.
وهذا لا يعني أن أدواتها أقل تأثيرًا، بل مختلفة في الشكل وأكثر مرونة في بعض السياقات، فهي تعتمد على مزيج من الحضور السياسي، والدعم غير المباشر، والارتباط بشبكات محلية، بما يسمح لها ببناء نفوذ فعلي دون الظهور كفاعل صدامي مباشر.
وهنا تكمن المفارقة، فتركيا لن تقف مكتوفة أمام من يحاول وراثة النموذج الإيراني، بل قد تستخدم أدواتها الخاصة لإزعاج وتعطيل أي قوة إقليمية تسعى إلى احتكار النفوذ عبر نفس المنطق، خاصة إذا رأت في ذلك تهديدًا لمجالها الحيوي أو لموقعها في توازنات المنطقة. والنتيجة أن المشهد لم يعد صراعًا على نفوذ واحد، بل يتجه إلى تراكب نماذج نفوذ متنافسة، حيث تتقاطع أدوات مختلفة، مذهبية وسياسية وأمنية، في نفس الجغرافيا، ما يفتح الباب أمام إعادة إنتاج دورات التوتر التاريخية، ولكن ضمن بيئة أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للضبط.
ومن هنا، فإن من يحاول وراثة إيران لا يرث أدواتها فقط، بل يرث أيضًا مسارها، الفارق في الاسم لا يغيّر شيئًا إذا بقيت البنية نفسها: أذرع، وضغط غير مباشر، وتعطيل استقرار الدول.
وهذا ما يفسر التحول في المقاربة الخليجية، فالمسألة لم تعد تتعلق بردع إيران كدولة، بل بمنع إعادة إنتاج النموذج من أي طرف. لذلك تتحمل دول الخليج جزءًا من المسؤولية، ولذلك فهي ستسعى إلى إغلاق البيئة التي تسمح لهذا النموذج بالعمل، حيث لا تمويل دون التزام سياسي وأمني واضح، ولا تساهل مع أي بيئة حاضنة للأذرع الإرهابية أو التحريض، ولا قبول بشراكات تقوم على ازدواجية بين الخطاب والسلوك.
وفي الوقت ذاته، يجري بناء طبقة ردع مختلفة، قائمة على تهيئة بيئة استراتيجية تمنع الابتزاز من الأساس، عبر تعزيز الدفاعات وتأمين الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، وتوسيع الشراكات العسكرية عبر قواعد مثل قاعدة العديد الجوية وقاعدة الأسطول الخامس، بما يجعل تكلفة استخدام هذا النموذج أعلى بكثير من عوائده.
الخلاصة ليست أن المنطقة أمام فراغ، بل أمام اختبار. فإما أن يتحول هذا الفراغ إلى توازن جديد، أو إلى سباق مفتوح على إعادة إنتاج نفس النموذج بأسماء مختلفة، وفي الحالة الثانية، لن تكون النتيجة نفوذًا موزعًا، بل أزمة مضاعفة، وصراعًا أطول، وكلفةً لا يمكن لأي طرف أن يدّعي أنه بمنأى عنها.

