: آخر تحديث
كيف تتحول الحقوق إلى تصاريح في القدس:

عندما تُقيَّد العبادة باسم الأمن

3
5
3

من منع رجال الدين من دخول كنيسة القيامة إلى احتجاج دولي واسع، تتكشف بنية دائمة تُدار فيها الحقوق عبر منطق السيطرة لا القانون.

الوقائع لا تحتمل التأويل. في أحد الشعانين، مُنع كبار رجال الدين المسيحيين، بمن فيهم البطريرك اللاتيني للقدس، من الوصول إلى كنيسة القيامة. هذا ليس إجراءً عابرًا، بل تدخل مباشر في حرية العبادة في أقدس مواقعها.

جاء رد الفاتيكان كاشفًا. فقد تم وصف الحادثة بأنها "واقعة مؤسفة"، تلتها "توضيحات" و"اتفاق" بشأن الوصول إلى الطقوس اللاحقة. هذا ليس وصفًا محايدًا، بل لغة احتواء. يتحول الانتهاك إلى سوء فهم، والمشكلة البنيوية إلى مسألة تقنية، والحق إلى موضوع تفاوض.

بعبارة أخرى، تم تعليق حق أصيل ثم إعادته كامتياز مشروط.

في المقابل، جاءت استجابة ثماني دول لتكشف الفجوة. فقد رفضت، في بيان مشترك، القيود الإسرائيلية على حرية العبادة في القدس، وسمّت الأمر باسمه: تقييد حق أساسي.

تبرر إسرائيل هذه الإجراءات بالأمن. فهي في حالة حرب، والتهديدات قائمة، والإجراءات ضرورية. لكن الأمن في القانون ليس مبررًا مطلقًا. يجب أن يكون ضروريًا ومتناسبًا ومحددًا بتهديدات واضحة.

ما يحدث في القدس يتجاوز ذلك. عندما يصبح الوصول إلى مكان مقدس خاضعًا للقيود المتكررة، وعندما يُمنع رجال الدين أنفسهم، فإننا لا نكون أمام إجراءات مؤقتة، بل أمام بنية.

وهذه البنية لها اسم: السيطرة.

الآلية واضحة. يتم المنع، ثم السماح الجزئي، ثم تقديم ذلك كإجراء تعاوني. لكن الحق لم يعد يعمل بحرية، بل أصبح خاضعًا للإذن.

وهذا لا يخفف التوتر، بل يعيد إنتاجه بشكل مؤسسي.

النتيجة أعمق من ذلك. تتحول الحقوق إلى تصاريح. وعندما يصبح الوصول قابلًا للسحب والإعادة، يفقد طابعه كحق أصيل ويصبح امتيازًا مشروطًا.

القدس هي المكان الذي يظهر فيه هذا التحول بوضوح. فالسيطرة على الأماكن المقدسة ليست مجرد إدارة، بل ممارسة للسلطة.

ما كان غير قابل للتصور أصبح الآن مبررًا ومقبولًا.

حين تصبح العبادة مشروطة بالإذن، لا تكون الحقوق قد تراجعت فحسب، بل أُعيد تعريفها بالكامل.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.