: آخر تحديث

عجز مخزٍ يقوّض الجامعة العربية!

4
3
3

في لحظةٍ يشتدّ فيها اضطراب الإقليم، وتتعالى فيها أصوات القلق من تصدّعات الأمن العربي، تبدو جامعة الدول العربية ككيانٍ يقف عند تخوم التاريخ، لا في قلب الحاضر. كأنها ذاكرةٌ ثقيلة أكثر منها إرادة فاعلة، ومرآةٌ لما كان ينبغي أن يكون، لا لما هو كائن بالفعل. هذا التوصيف لا يحمل فقط بُعدًا بلاغيًا، بل يعكس إحساسًا عامًا بأن المؤسسة التي وُلدت لتجسيد الحلم العربي المشترك أصبحت عاجزة عن مواكبة تعقيدات الواقع المتحوّل. وفي خضمّ ما تتعرض له دول الخليج العربي والأردن من تهديدات وهجمات إيرانية، يتكشّف السؤال المؤلم: أين الصوت الجامع؟ وأين الفعل الذي يوازي حجم الخطر المتصاعد؟

ليست المسألة مجرد تقصيرٍ إداري أو خللٍ تقني في آليات العمل، بل هي أزمة معنى، وأزمة دور، وأزمة وعي جماعي لم يعد قادرًا على إدراك التحولات العميقة التي تعصف بالمنطقة. لقد تحوّلت الجامعة، في وعي المواطن العربي، من مظلّةٍ يُفترض أن تحمي، إلى إطارٍ رمزيٍّ يُستدعى في البيانات أكثر مما يُستحضر في الفعل. وهذا التحوّل لم يأتِ فجأة، بل تراكم عبر سنواتٍ من العجز، حيث كانت الأحداث تتسارع بوتيرة غير مسبوقة، بينما بقيت الأدوات جامدة، والقرارات أسيرة الإجماع الهشّ الذي يعطّل أكثر مما يُفعّل.

حين دعت دولة الكويت، ممثلة بوزير خارجيتها، في خطابٍ يتسم بالوضوح النادر، إلى مراجعة "صريحة ومسؤولة" لآليات العمل العربي المشترك، فإنها لم تكن تعبّر عن موقفٍ سياسي عابر، بل كانت تضع يدها على جرحٍ مفتوح في الجسد العربي. لقد أقرّ الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، بصراحةٍ مؤلمة، بأن المنظومة الحالية أثبتت "محدودية فاعليتها"، وهو توصيفٌ يحمل في طيّاته اعترافًا بأن الخلل لم يعد قابلًا للتجميل أو التأجيل. هذا الاعتراف، في حد ذاته، يمثل خطوة أولى نحو التغيير، لكنه يظلّ بلا قيمة إن لم يُترجم إلى إصلاحات حقيقية وشجاعة.

إن أخطر ما في هذا الواقع ليس فقط غياب الفعل، بل اعتياد الغياب. أن يصبح الصمت مألوفًا، وأن تتحول البيانات الختامية إلى بديلٍ عن القرارات الحاسمة، هو انحدارٌ في الحسّ الجماعي قبل أن يكون فشلًا مؤسسيًا. فالشعوب العربية، التي تعيش يوميًا تحت وطأة التهديدات والتحديات، لا تنتظر بياناتٍ تُدين أو تُندد، بل تبحث عن منظومةٍ تحمي وجودها، وتمنحها شعورًا بأن هناك من يسهر على أمنها واستقرارها، لا من يكتفي برصد الخطر بعد وقوعه.

في المقابل، تقف دول مجلس التعاون الخليجي في واجهة المشهد، حاملةً عبء المبادرة، سياسيًا واقتصاديًا، في محاولةٍ لملء الفراغ الذي خلّفه غياب الفعل العربي المشترك. وقد نجحت هذه الدول، إلى حدٍّ ما، في بناء نماذج تعاون أكثر فاعلية، لكنها تبقى محدودة الإطار الجغرافي والسياسي. غير أن هذا الدور، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن إطارٍ عربي جامع. فالتجزئة، مهما بلغت قوتها، تظلّ عاجزة عن صناعة أمنٍ مستدام دون مظلةٍ مؤسسية قادرة على التنسيق والتكامل بين مختلف الدول العربية.

إن الدعوة إلى إعادة هيكلة الجامعة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة. إعادة تعريف دورها، وتحرير قراراتها من قيود الإجماع المعطِّل، وبناء أدوات تنفيذية حقيقية وملزمة، لم تعد خيارات، بل شروط بقاء. فالعالم من حولنا يعيد تشكيل نفسه بسرعة مذهلة، والتحالفات الدولية والإقليمية تتبدّل، وموازين القوة تتغير بشكل مستمر، بينما لا يزال العمل العربي المشترك يدور في حلقةٍ من التكرار العقيم، غير القادر على إنتاج حلول حقيقية.

ومع ذلك، فإن الدعوة إلى "قطع العلاقات" مع الجامعة، بالرغم من ما تحمله من غضبٍ مشروع وإحباط متراكم، قد تكون تعبيرًا عن اليأس أكثر منها حلًا عمليًا. فالفراغ المؤسسي أخطر من المؤسسة العاجزة، لأن غيابه يفتح الباب لمزيدٍ من التشتت، وربما لمزيدٍ من التدخلات الخارجية التي لا ترى في المنطقة إلا ساحةً لتصفية الحسابات وتحقيق المصالح. لذلك، فإن الخيار الأكثر عقلانية يكمن في الإصلاح لا الهدم، وفي البناء لا الانسحاب.

الحاجة اليوم ليست إلى هدم ما تبقى، بل إلى إعادة بنائه على أسسٍ جديدة: أكثر واقعية، وأكثر جرأة، وأكثر التصاقًا بالإنسان العربي وهمومه اليومية. فالمؤسسات، مهما ضعفت، يمكن أن تُصلح إذا توافرت الإرادة السياسية الصادقة، والرؤية الواضحة، والآليات الفعالة. أما إذا غابت الإرادة، فلن تنفع حتى أكثر الهياكل صلابة وتنظيمًا.

في النهاية، تبقى جامعة الدول العربية اختبارًا حقيقيًا لإرادتنا الجماعية: هل نملك الشجاعة لنواجه فشلنا بصدق، ونعيد صياغة مستقبلنا بأيدينا، أم سنكتفي بإدانة العجز، ونمضي في طريقٍ يتآكل فيه المعنى قبل أن يتلاشى الكيان؟ هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة مصيرية تحدد شكل العالم العربي في السنوات القادمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.