: آخر تحديث
لبنان الانتخابات النيابية....

خائن من يترّشح خائن من يصوّت

31
31
31
مواضيع ذات صلة

لا بلداً في العالم مثل لبنان، ولا نظام انتخابات نيابية مثل نظامه. نظام يُفرّق، يزرع الشقاق والنفاق، ويفرض على المواطن ارتكاب الخيانة، من حيث لا يدري، ويحول بينه وبين انتمائه إلى وطنه. ليس في هذا الكلام مبالغة، بل هو حقيقة ناصعة. منذ "الاستقلال" الموهوم، وبُنيان لبنان يتداعى عقداً بعد عقد، ويوما بعد يوم، وما بقاء نظامه حياً إلى الآن رغم هزاله، إلا لأن عُيوبه مغلفة بأكسية وأصباغ براقة، تنطلي حيلها على الناس، تجعلهم يعيدون انتخاب حكام هم سبب نكباتهم. وها هم اللبنانيون اليوم، بقبائلهم المختلفة، يعقدون الآمال على ثروة قد تأتي من قاع البحر وقد لا تأتي، وعلى حل سياسي خارجي يريحهم ولو إلى حين، خاضعون لنظام من الفروقات الدينية يوسع الهوّة بينهم، يختلفون على مسائل لا تُعد ولا تُحصى، وعلى أمور أتفه ما يكون، مثل توقيت الساعة! لم يهبط هذا النظام من السماء، ليقبل بالفطرة أو بالقناعة، كما الأديان التي يقبلها الناس بالفطرة أو بالقناعة، هو نظام من صنع البشر. لكن حتى الأديان نفسها مذ خرجت إلى الناس، كانت موضع رفض من قبل الكثيرين، ملحدين كانوا أم لا أدريين، فلاسفة أو شعراء أو علماء أو مؤرخين، فكيف إذا كان النظام سياسياً لا "سماويا"، كهذا النظام اللبناني، الذي أثبتت الأحداث والتجارب، أنه فاشل بكل المقاييس. لكن ما يؤسف له حقاً، أن الطبقة الحاكمة، "سيدة هذا النظام"، لا تزال تعيد انتاج نفسها بالزعماء ذاتهم، ومن يتفيؤون ظلهم، معولّين على طبقات من الشعب جاهلة، تقبلهم وتعيدهم إلى الحكم، وتصفق لهم وتفديهم بالروح والدم. حكام أغبياء، يظنون أنفسهم أذكياء وحكماء، في حين أن الموقع الوحيد الذي يليق بهم بأحكام المستقبل الآتي سيكون مزبلة التاريخ حتماً، لأن رهانهم في جميع الأحوال خاسر. تكفي أدلة على رعونتهم ورهانهم الخاسر، سيول الشتائم التي ما برحت تنهار عليهم من كل حدب وصوب، والسمعة السيئة المحلية والعربية والعالمية عن فسادهم، وأنهم أقل السياسيين ثقافة ومعرفة بأصول الحكم، وما حال لبنان اليوم، إلا الدليل القاطع على فشلهم، وعلى ما يعتري عقولهم من غباء، وقد حولوه إلى بلد مفلس مُهان، يستجدي القريب والبعيد، ويرضى بالوقوف ولو على قدم واحدة، بدلاً من قدمين.

الكلام عن مساوئ نظام الانتخابات النيابية في لبنان، يعني الكلام عن القيمين عليه، من رؤساء أحزاب ووزراء ونواب، ومن يشارك فيه من المواطنين، سواء بالترشح او بالانتخاب. هؤلاء متى ترشحوا أو صوتوا خانوا أنفسهم ووطنهم من حيث لا يدرون، وخانوا الغالبية من الشعب التي لم تصوّت، وترفض هذا النظام وأسياده. الذين لم يصوتوا هم العقلاء وهم من يستحقون وطنهم بجدارة، وأن تُقال فيهم كل كلمة عيناء، ولهم وحدهم حق التظلم من الوضع الذي وصلت إليه البلاد، والشكوى من غلاء المعيشة وانقطاع الماء والكهرباء، بخلاف آخرين باعوا ضمائرهم مقابل حفنة من الدولارات، او دفعتهم مشاعرهم الدينية وغرائزهم البدائية إلى أن يعيدوا الزعيم الفاسد والملتحقين بركبه إلى الحكم. هؤلاء شاركوا في جريمة خراب البلاد، ومنهم حتى الذين ترشحوا من "النواب التغييريين"، ومن صوّت لهم، على رغم نياتهم السليمة، لأن أي مقاربة من هذا النظام الطائفي البالي، سواء في الترشح او الانتخاب، معناها الوحيد، تزكية هذا النظام ودعمه. 

النظام اللبناني أسوأ من نظام الحكم الديكتاتوري وأكثر تخلفاً. الديكتاتورية، كما الدولة الدينية، وجهها معروف، سلوكها معروف ونهج القيمين عليها معروف. نظام الحكم الديكتاتوري من صنع الديكتاتور نفسه، أو من صنع حزبه، وحين تقوم ثورة شعبية أو حراك شعبي يهتز النظام، وقد يسقط بقوة من خارج البلاد، كما حدث في ليبيا والعراق، أو بحراك داخلي، كما حدث في رومانيا وتونس. نظام معمر القذافي الديكتاتوري "القوي" في ليبيا دام 42 عاما، ونظام صدام حسين "القوي" في العراق دام 24 عاماً، في حين أن النظام اللبناني "الهزيل" ما زال قائماً منذ 80 عاماً، والسبب مكونات الخداع والمواربة الكامنة فيه. هو نظام "ديموقراطي" في الشكل، أما باطنه فقائم على الكذب والغش والنفاق؛ خلطة من سياسة ودين، شارك في صنعها منذ "الاستقلال" الموهوم إلى اليوم، رجال السياسة ورجال الدين، والزبانية والأجراء، وأصحاب المصالح، وارتضتها القبائل الدينية اللبنانية الغافلة عن مصالحها الحقيقية. قوة هذا النظام اللبناني الهزيل في آليات انتخاب نوابه، إذ يجعل من المواطن شريكاً في الجريمة، فيضطر بحكم النظام الطائفي، إلى أن ينتخب نائباً "مارونيا"، أو "شيعياً"، أو آخر "سنياً"، لا نواباً وطنيين، حاله كحال صائم ليس أمامه غير طبق من عدس، عليه أن يفطر عليه أو يموت من الجوع! هل علينا كلبنانيين أن ندفع أثماناً أكثر مما دفعنا حتى الآن، من حرب أهلية طاحنة قضت على أجمل ما كان في أرضنا المعطاء من خير وجمال، وحاضنة سياسية بشعة يتخرج فيها كل أربع سنوات، أسوا السياسيين في العالم، وتفرض على الناس العبودية الخضوع. أليست هذه خيانة وطنية يرتكبها الجميع، من يترشح ومن يصوّت؟ اعطي مثلا الشاعرة والكاتبة جمانة حداد، فقد أعلنت هذه الشابة الجريئة إلحادها على الملأ قبل نحو عشر سنوات، لكنها حين رشحت نفسها للنيابة في الانتخابات ما قبل الأخيرة، عن دائرة بيروت الأولى، اضطرت إلى أن تخوضها عن مقعد الأقليات، (الأقليات الدينية طبعاً)، كذلك النائبة العلمانية الجريئة حليمة قعقور، اضطرت هي الأخرى، إلى خوض الانتخابات عن المقعد "السني" في دائرة جبل لبنان الرابعة، والحال ذاتها مع النائبة العلمانية القديرة بولا يعقوبيان، التي ترشحت مرتين عن  "مقعد الأرمن الأرثوذكس "، في دائرة بيروت الأولى. أعرف السيدات الثلاث معرفة شخصية، وأعرف ما يتحلين به من ثقافة وذكاء وجرأة وقدرة على العطاء، لكن النظام القبلي أجبرهن على الخضوع، فكيف نتوقع من المواطن اللبناني أن يكون حراً ومتصالحاً مع نفسه، إذا كان النائب الذي يصوت له مقيدة يداه بسلاسل نظام متخلف، يفرض عليه أن يخرج من ذاته ويتخلى عن قناعاته؟! لهذا السبب اتصلت بالصديقتين، بولا يعقوبيان وحليمة قعقور قبل أيام من كتابتي هذا المقال ونصحتهما بالاستقالة، حباً بهما ولثقتي الكاملة بأن التغيير السريع المطلوب، لن يحصل داخل مجلس طوائف عقيم، لأن الزعماء الممسكين بمقاليد الحكم، سيبقون الأكثرية، ويجهضون أي محاولة يرونها في غير مصلحتهم، ومصالح التابعين لهم من النواب، وما هو مصالح هؤلاء جميعهم، غير هذا النظام البالي الذي أوصل اللبنانيين إلى حدود الفقر والجوع؟ 

في أزمنة مضت شعر اللبنانيون إنهم على وشك أن يكونوا قريبين من دولة. حدث ذلك في عهد الرئيس كميل شمعون، وعهد الرئيس فؤاد شهاب. هذا واقع اختبره الكبار في السن، وجعل من لبنان بلداً مزدهراً على شواطئ المتوسط. هناك من اللبنانيين والعرب من يحّنون إلى تلك الفترة، لكن الحقيقة أنه حتى لو استمرت الفترة الشمعونية والفترة الشهابية سنوات أطول، ما كان بالإمكان ابدأ أن تقوم في لبنان دولة حقيقية، لأن المسألة مسالة نظام قبل أي شيء آخر، لا مسألة شخص أو رئيس، مهما كانت أهلية هذا الرئيس، وكان ذكاؤه وكانت مناقبه!  حين قرأ الدكتور في الطب، الصديق أنطوان خطار مقالتي التي نشرتها "النهار" يوم 23 آذار الماضي، تحت عنوان "هل تحكم إسرائيل لبنان القبائل؟" كتب إلي يقول "ما كان اللبناني يوماً على مستوى الهبة الإلهية التي منحها الله له. حتى الطبيعة ومعالم الجمال شوهها. هو فردي، أناني، مصلحجي، متمرد على القانون، وتاجر ما إلو رب". وافقت الصديق الدكتور رأيه بتحفظ، وزدت بأن قلت له إن اللبناني بالرغم من هذه العاهات، إنسان كريم، شخصيته رائعة وذكاؤه حاد، لكن نظام بلده سبب نشوزه وعقوقه، فقد ولد في وطن هو أقرب إلى المزرعة منه إلى الدولة، ووضعه كوضع طفل لم يرسله أبواه إلى مدرسة نظامية، فنشأ فردياً ومتمرداّ. اللبناني إنسان مطواع، يتكيف مع المناخات، وكثيراً ما سمعنا ورأينا كيف أن اللبناني المغترب، يمتثل لقوانين الدول الراقية التي يعيش فيها، أو يزورها للسياحة، حتى إذا ما رجع إلى بلده، ووطأت قدماه أرض المطار، عاد إلى "لبنانيته"، أو إلى أصله، كما تقول العامة. هذا يعني أن العّلة ليست في هذا المواطن، بل في الدولة التي يعيش فيها، فإن كانت راقية، كان أداء هذا المواطن راقياً، وليس هناك دولة راقية بالمعنى الصحيح، إلا الدولة المدنية العلمانية، فهذه تفرض احترامها وهيبتها على مطلق انسان، مقيماً كان أم زائراً. هي الرئيس والوزير والنائب وناظر المدرسة والمعلم، وهي الحارس والشرطي ورجل القانون، هي إله العصر الحديث كما قال الفيلسوف الألماني جورج فردريك هيغل... فأين نحن وأين لبنان من هذا كله؟

في كتابه "فلسفة التاريخ" يقول هيغل إن في المجتمع الشرقي شخصاً واحداً يتمتع بالحرية هو الحاكم، اما الآخرون فجميعهم يفتقرون إلى الحرية، ويخضعون إرادتهم للبطريرك، أو اللاما، أو الإمبراطور، أو الفرعون، أياً يكن اللقب الذي يُطلق على الحاكم المستبد. وكما سبق القول في مقدمة هذا المقال فإن النظام اللبناني مشوب بالعيوب، وعيوبه مغلفة بأكسية وأصباغ خادعة براقة. من هذا الخداع أن في لبنان من الديموقراطية قدراً ليس متوافراً في أي بلد عربي آخر. كلام يصح نسبياً، لكنه لا يستقيم على العموم، ويجعلنا نتساءل: كيف يمكن للمواطن اللبناني أن يتمتع بالحرية والديموقراطية وهو يعيش في بلد تحكمه عصابات سياسية ومالية تفرض عليه ساعة يريد ان يدلي بصوته في مصير بلده أن ينتخب نواب طوائف، لا نواب وطن؟! الخدعة الأخرى، أن مساحة "الحرية اللبنانية" مقتصرة على العاصمة بيروت، وما ينشر فيها ويذاع من كلام، لكن هيهات أن ينتشر نسيمها في عموم مناطق البلاد، ما يدعونا أيضاً إلى التساؤل: هل بمقدور كاتب لبناني يسكن في الضاحية الجنوبية من بيروت أن ينتقد سيدها ويبقى في قيد الحياة، أو يسكن النبطية وجوارها وينتقد "أستاذها" من دون أن تناله لكمة أو لكمتان، أو يقطن جبل الشوف وينتقد "سيد المختارة "ويبقى بمأمن من خطر، أو يسكن في بلدة "معراب" الشمالية، وينتقد "الزعيم الحكيم" من غير أن يلحق به أذى، او ينال الجبران الباسل بكلمة في المناطق التي يسيطر  أزلامه عليها من دون أن يمسه سوء؟!  

الحديث عن الأكسية الخافية عيوب النظام اللبناني حديث لا ينتهي، والأمثلة على هذه العيوب كثيرة، فلننتقل منه إلى موضوع آخر، لا بد انه يتبادر إلى ذهن كل من يقرا هذه السطور، ويمكن اختصاره بعبارة موجزة: ما هو الحل، أو ما هي النُّجعة السحرية التي تؤدي إلى بناء نظام جديد عادل، في وطن سيد حر ومستقل؟ الحل الوحيد الذي لا حل غيره، كما سبق وقلنا غير مرة هو الدولة المدنية العلمانية، وواهم من يظن أن هذا الحل سوف ينجزه رعاة النظام القائم، لأن فيه القضاء على مصالحهم. على الشعب نفسه أن ينجزه من خارج النظام والمجلس النيابي الطائفي، باعتماد خطة يشارك فيها الجميع، الطلبة والمثقفون والقيمون على الوسائل الإعلامية، لحث الناس على مقاطعة الانتخابات ترشحاً وتصويتاً، والابتعاد الكامل عن النظام الحالي السيئ، والتظاهر بشكل سلمي، وتوزيع المناشير لتوعية الناس على أهمية فصل الدين عن الدولة، حفاظاً على الدين كفعل إيمان صادق، وعلى العمل السياسي كواجب وطني. كذلك الطلب إلى القيّمين على الشاشات فرض الضغط المعنوي على "الفعاليات"، والتوقف عن استضافة رجال الدين، علماً أن ليس في القرآن والإنجيل دولة دينية من أي نوع، وامتثالاً بقول "مسيح الإيمان" القائل: مملكتي ليست من هذا العالم، واعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". كذلك التوقف عن استضافة أي "زعيم" سياسي والتعتيم الكامل على السياسيين كافة، وفتح المجال أمام الأصوات الوطنية الحرة. 

حين يقاطع المواطن هذا النظام الطائفي البغيض، ويقاطع المشاركين فيه، ولا يترّشح فيه ولا يصوّت، يصبح مواطناً صالحاً متصالحاً مع نفسه، يحق له عندئذ الانتقاد والشكوى، بخلاف مواطن آخر يدلي بصوته في الصندوق، أو يبيعه لزعيم جائر، ثم يبدأ يشتكي من سياسة هذا الزعيم أو ذاك، وفي هذا شيء من نفاق هو أقرب إلى نحر الذات. المهمة ليست صعبة، وما كانت المهام يوماً صعبة على شعب يريد الحياة، والغالبية من اللبنانيين تريد الحياة، ولا تريد هذا النظام ولا تريد أسياده، ومتى بدأ كل مواطن بنفسه، عملاً بشعار "كل مواطن خفير"، تضّح الرؤية، ويتحقق الحلم رويداً رويداً وعلى مستوى الجموع، ومهما اشتدت ألسنة النار، بمقدور ملايين الطيور إن هي تعاونت، أن تخمد لهيبها بقطرات من ماء النهر، فتنقذ نفسها وتنقذ الغابة من الفناء.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد