: آخر تحديث

ما قبل السياسة

19
18
23
مواضيع ذات صلة

الحداثة والسياسة هما المساران الأساسيان في حركة التاريخ، وبقدر ما يكون التقدم في المساريْن معاً بقدر ما تكون الحركة في الاتجاه الصحيح.
عماد الحداثة هو العلم وعماد السياسة هو القانون، والمعيار الحاسم الذي يفصل بين أمّة وأخرى هو مدى اعتماد العلم والقانون في إدارة المجتمع وبناء الحياة.

وإذا ما أراد أحد أن يعيد بناء أمة منهارة، فإن الركيزتين الأساسيتين التي يجب البناء بهما والبناء حولهما هما.. العلم والقانون. وليس بمستغرب إذن أن يعتبر الاقتصادي السويدي «جونار ميردال» الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974 انهيار القضاء والجامعات من أبرز سمات الدولة الرخوة.

بالمقابل فإن تجاوز حالة «الدولة الرخوة» يجب أن يبدأ من إصلاح منظومة القانون، نصوصاً وتطبيقاً، وضبط منظومة العدالة بأكملها، وبكافة أبعادها، كذلك إصلاح منظومة التعليم وعلى رأسها الجامعات، والتي هى الوعاء الكبير لصناعة العقل. ومن دون ذلك يصبح المجتمع غائباً في حقبة ما قبل الحداثة وما قبل السياسة.
يذهب الفيلسوف الألماني الأميركي «ليو شتراوس» إلى أن نشأة الحداثة كانت نشأة سياسية وليست معرفية، فقد كانت الجوانب الدينية اللاهوتية هى أساس عمل السياسة. 

حسب شتراوس فإن عصر ما قبل الحداثة هو ما قبل السياسة، فقبل الحداثة كانت السياسة لاهوتاً، حيث جعل البابا من القرار السياسي قراراً دينياً، وبعدها تحولت الإدارة من اللاهوت إلى السياسة.
في التاريخ الغربي مرّت السياسة بثلاث مراحل أساسية: المرحلة اليونانية، حيث الفلسفة السياسية الأفلاطونية، وطرح مقولات المثالية والفضيلة والأخلاق، وما يجب أن يكون عليه العالم، وصولاً إلى المدينة الفاضلة.

ثم كانت المرحلة اللاهوتية حيث السياسة والدين تقررهما الكنيسة، وحيث كل شئ تقريباً في أيدي البابوات. ثم كانت المرحلة الثالثة.. المرحلة الواقعية للسياسة، وهي المرحلة التي صار عنوانها البراجماتية وتحقيق المصالح طبقاً للمعطيات الواقعية للأمور. 
كان ميكافيللي هو أول من أسس للحقبة الثالثة، أي إنهاء الحقبة اليونانية المثالية والحقبة القروسطوية اللاهوتية، والانطلاق نحو الحقبة البراجماتية.. غير المثالية وغير الدينية.

ساعد التطور المذهل في العلم على تدشين العصر السياسي الجديد، فقد كانت علوم الفيزياء والهندسة وكذلك علوم الكيمياء والأحياء والطب قد قطعت شوطاً طويلاً في طريق التقدم، وبعد أن كان التفكير الخرافي يسود تفسير الظواهر، تم بناء عالم جديد يقوم على المنطق والتفسير العلمي.

واليوم.. يمضي العالم إلى آفاق أكبر من الحداثة، لكنها باتت تهدد العالم بقدر ما أنها جعلت حياته أفضل وأروع. ذلك أن الانطلاق العلمي من دون أية حدود أخلاقية، ومع الانهيار التام للنزعة المثالية، بات يهدد الوظائف، والأمن، والحياة.

لا تزال الحداثة والسياسة هما قاعدتا الحضارة المعاصرة، ولا يزال العلم والقانون هما عمادا التقدم، ولكن التنحية التامة للجوانب الأخلاقية والدينية، وعدم الاكتراث بالخسائر الإنسانية، والهرولة نحو الربح بأى شكل وبأى ثمن.. هو أمر يدفع بالعالم إلى قرب النهاية.
يجب إنقاذ السياسة من جنون الحداثة، وإنقاذ الحداثة من جنوح السياسة.
*كاتب مصري


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد