برعايةٍ كريمة من خادم الحرمين الشريفين، احتضنت عاصمة الثقافة، عاصمة المملكة العربية السعودية -الرياض- النسخة الخامسة من المنتدى السعوديّ للإعلام 2026، تحت شعار "الإعلام في عالم يتشكّل"، بمشاركة نحو 300 متحدثٍ من مختلف دول العالم، وبحضورِ أكثر من 65,000 زائر؛ مما أدخل المنتدى موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية. تعكس هذه الأرقام تنوّعًا بشريًا وثقافيًا ولغويًا، قد يصل إلى آلاف اللغات؛ إذ تتحدث بعض الدول مئات اللغات؛ كالهند والصين وإثيوبيا وغيرها، وهو ما يجعل الترجمة ميدانًا رحبًا للتواصل؛ حيثُ يستلزم هذا التنوّع اللغويّ حضورَ الترجمة؛ بوصفها أحد أعمدة المنتدى السعوديّ للإعلام، وركيزة من ركائزه. فالمشاركون في المنتدى -من متحدثين وزائرين ومتابعين ومستمعين عبر المنصات الإعلامية والتلفازية- يتكلمونَ لغاتٍ عالمية حيّة كالإنجليزية والصينية والإسبانية؛ إلا أن اللغة الأم تظل الأقدر على إيصال المعنى كاملًا، والأقرب إلى وجدان المتلقي، إذ يحتاج أهلها أن يسمعوا الخطاب بلغتهم وبلسانهم، وهذا ما يؤكد عليه "إعلان اليونسكو العالميّ للتنوّع الثقافيّ 2001"، حيثُ أشار إلى أنّ حماية التنوع اللغويّ جزء لا يتجزأ من حماية التنوّع الثقافيّ؛ بما يعزّز التفاعل والحوار بين الشعوب. وعلى الرغم من أنّ التقنيات الحديثة -بما فيها من ذكاءٍ اصطناعيّ- أسهمت في توسيع النطاق وإتاحة المحتوى بلغاتٍ متعددة على نحوٍ غيرِ مسبوق؛ فإنّ الترجمة الحيّة والبشريّة تظلُّ ذاتَ نكهةٍ مُختلفة وحسٍّ متفرّد؛ إذ تراعي مفاهيم الجودة من استحضارِ الخلفية الثقافيّة للكلمة، ومُحاكاة الأسلوب والنبرة، ومراعاة الجمهور المُستهدف، إلى جانبِ الالتزام بأخلاقيات المهنة من أمانةٍ ومسؤولية. وقد تجلّى هذا المفهوم في المنتدى السعوديّ للإعلام؛ حيث أظهر المترجمون البشريون حصافةً لغوية، وكياسةً مهنية، وقُدرةً على نقل الخطاب مع الحفاظ على مضمونه ومقصده، فكانت الترجمة حاضرة بوصفها جزءًا أصيلًا من صناعة المحتوى الإعلاميّ؛ إلا أنّه يُتمنى أن لو نُقل المنتدى إلى اللغات الأخرى -كالسواحلية والروسية-، وللمملكة العربية السعودية قصب السبق في ذلك؛ حيثُ تنقل الحج والعمرة وخطب الحرمين الشريفين إلى هذه اللغات وأكثر، وما إطلاق المنتدى النسخة العربية المُترجَمة من التقرير العالميّ "الابتكار في وسائل الإعلام"، وإعلان وزير الإعلام، معالي الأستاذ سلمان الدوسري، خلال افتتاح المنتدى، عن إطلاق مسار الترجمة إلى خمسِ لغاتٍ عالمية ضمن موسوعة "سعوديبيديا"؛ لنقل تراث المملكة العربية السعودية وتاريخها وهويتها إلى العالم باللغات الإنجليزية، والروسية، والصينية، والفرنسية، والألمانية، إلا إدراكًا ووعيًا بأهميّة الترجمة لهذه اللغات، مع الحفاظ على سياقه الثقافيّ ودلالاته المعرفيّة؛ لا سيما أنّ رؤية المملكة العربية السعودية 2030 أكدت على أهميّة حماية الإرث الثقافيّ والحضاريّ، وإبرازه محليًا وعالميًا.
ومن هنا، يبرز المنتدى السعوديّ للإعلام فضاءً رحبًا للكلمة الواعية، وتظلّ الترجمة -في مثل هذه المحافل الإعلامية- مسؤولية معرفيّة، وميدانًا رحبًا لنقل الكلمة بأمانةٍ ووعيٍ، وتُسهم في تعزيز الحضور الثقافي والإعلامي للمملكة العربية السعودية على الساحة العالميّة.

