: آخر تحديث

العيش في بالونة

2
3
3

وسط كل ما يجري في العالم، وسط الحروب والفضائح والانتهاكات والفقد والمعارك الصغيرة من أقرب الناس وأبعد الناس، وسط مرض صديق وخوف قريب، وسط كل الأزمات المهولة التي تملأ حياتنا، يصبح الملجأ الآمن أن تختفي من الحياة التي تحمل كل هذا الاضطراب وتعيش داخلك. ليس في الموضوع أي أنانية، أنت تحافظ على عقلك، على روحك، أنت تعرف أنك لو لم تفعل ذلك ستتجه إلى أقرب صيدلية تبيع أحدث مضاد اكتئاب.

تهرب من كل الصخب وتقرر أن تزور معرضاً فنياً تكتشف فيه روح الفنان الذي قرر أن يهرب مثلك من ضجيج العالم ليخلق ضجيجاً يفهمه، ضجيج الألوان.

أو تشاهد فيلماً يأخذك لعالم آخر، عالم صيني مثلاً، ليتحدث عن عائلة صغيرة جداً، وتعيش مع هذه العائلة في شقة صغيرة جداً في حي شعبي، وتشاهد الابنة وهي تركب دراجة نارية توصلها إلى كل مكان، وتفهم كيف أن الأكل باليد اليمنى هي قيمة كما هي قيمة عندنا. هل كنت تهرب من مشكلاتك لمشكلات ناس متخيلة في آخر بلاد الأرض، أم أنك تغذي روحك بشكل حنون، تربي عواطفك كي تفهم مشكلات الآخرين بحساسية شديدة، بدل أن تعودك الأخبار على استقبال الفظائع دون أن يرمش لك جفن.

تستمع إلى فيروز وهي تقول "بعت لك يا حبيب الروح، بعت لك روحي"، وتظل ترددها أياماً وتسأل نفسك لماذا؟، من الذي وضع الأغنية على شفتك وعلقها هناك؟. لا تتوقف كثيراً عند السؤال، تشغلك الدنيا وتلهيك، لكن الأغنية تعيدك إلى جمال الروح، بدون أن تشعر تسمو وتبعت روحك، إلى حيث تحب، تضحك وأنت تسمع أغنية ترند، أنا أصلاً فوق، تهز رأسك وتعود إلى فيروز، تهرب، ربما، ولم لا تهرب، حين يكون الواقع بائساً إلى هذه الدرجة، أليس من قلة العقل ألا تهرب.

أقرأ رواية لصديق قابلته في معرض الكتاب. أهداني روايته الأخيرة، أقرأ باستمتاع عن عوالم أعرفها ولا أعرفها، أتابع أحداث الرواية، صفحة وراء صفحة، أغوص في الكلمات وفي الشخصيات. أتابع بطلها الشاب صفحة وراء صفحة، وهو سعيد وهو مأزوم، أعرف أنها ستنتهي قريباً بمعدل قراءتي لها، وكالأفلام، أعرف أنها تزيد حساسيتي للإنسان، تصقل روحي لفهم الإنسان. أهرب، نعم أهرب، أهرب أيضاً للكتابة والرسم، لكن الهرب إلى إبداعات الآخرين أقوم به بلا مسؤوليات، بلا تفكير. أجلس على كنبة أشاهد شاشة، أو على ذات الكنبة أقرأ، أو أستمع إلى موسيقى تغسل روحي من كل ما يجري من مصائب أو أقرأ ديوان شعر لصديق قديم. ليس كالشعر يغسل الروح. أهرب، نعم أهرب، أليس من قلة العقل ألا تهرب؟.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد