في شوارع المدن الكبرى حول العالم، بدأ ضجيج المحركات التقليدية يفسح المجال لهدوء المحركات الكهربائية، معلنًا عن عصر جديد لا تقتصر فيه السيارة على كونها وسيلة نقل، بل تتحول إلى وحدة طاقة ذكية ومتصلة، إننا نعيش اليوم «نقطة التحول الكبيرة» التي تنبأ بها الخبراء؛ حيث لم يعد السؤال «هل ستسيطر السيارات الكهربائية؟» بل «متى سيكتمل هذا التحول؟».
تشهد صناعة السيارات الكهربائية (EV) تحولات جذرية تتجاوز مجرد استبدال البنزين بالكهرباء، ففي عام 2026، يتوقع الخبراء أن تصل الحصة السوقية لهذه السيارات إلى نحو 27% عالمياً، مدفوعةً بانخفاض تكاليف البطاريات التي تمثل القلب النابض لهذه الصناعة.
التوجه التقني الحالي يركز على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها بطاريات الحالة الصلبة (Solid-State Batteries) التي تعد بمدى قيادة أطول وزمن شحن لا يتجاوز دقائق معدودة. والثاني المركبات المعرفة بالبرمجيات (Software-Defined Vehicles)؛ حيث تصبح السيارة عبارة عن «كمبيوتر على عجلات» يتلقى تحديثات دورية عبر الهواء (OTA). والمحور الأخير هو الاستدامة الدائرية؛ عبر التوجه نحو إعادة تدوير البطاريات واستخدام مواد صديقة للبيئة في التصنيع لضمان أن تكون السيارة خضراء منذ لحظة إنتاجها حتى نهاية عمرها الافتراضي.
لن يقتصر التغيير على طريقة تصنيع السيارات، بل سيمتد إلى طريقة تفاعلنا معها؛ فمستقبل استخدام السيارات الكهربائية مرتبط بشكل وثيق بالذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس، وستتحول السيارة إلى مخزن طاقة متنقل؛ حيث يمكن للمستخدم شحن سيارته في وقت انخفاض التعرفة، وإعادة مد منزله بالطاقة أو بيعها للشبكة العامة في أوقات الذروة، والسيارات الكهربائية هي المنصة المثالية لأنظمة القيادة الذاتية، مما سيغير مفهوم «القيادة» ليصبح وقتاً مستقطعاً للعمل أو الترفيه.
لا تنظر المملكة العربية السعودية إلى التحول الكهربائي كترجمة لالتزامات بيئية فحسب، بل كركيزة استراتيجية لتنويع الاقتصاد وتوطين التقنيات المتقدمة؛ وتأتي شركة «سير» (CEER) كأول علامة تجارية سعودية لتصنيع السيارات الكهربائية، لتمثل رأس الحربة في هذا التحول، ومن خلال الاطلاع على رؤية الشركة نجد أنها ليست مجرد مصنع للسيارات؛ بل هي منظومة صناعية متكاملة تهدف إلى جذب الاستثمارات العالمية عبر شراكات استراتيجية مع عمالقة التكنولوجيا مثل «فوكسكون» (Foxconn) للاستفادة من منصات التصنيع الرقمي، وشركة «BMW» للحصول على تراخيص المكونات التقنية المتطورة.
وتسعى لخلق فرص العمل والنمو الاقتصادي؛ فمن المتوقع أن تساهم «سير» بنحو 8 مليارات دولار في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بحلول عام 2034، مع توفير آلاف الوظائف النوعية للشباب السعودي في مجالات الهندسة والبرمجة والتصنيع المتقدم، وتعمل على توطين سلاسل الإمداد؛ حيث تسعى المملكة لبناء قاعدة صناعية تشمل تصنيع البطاريات ومعالجة المعادن المستخدمة فيها، مما يجعلها مركزاً إقليمياً وعالمياً لتصدير المركبات الكهربائية، خاصة مع وجود مصنع «سير» في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية الذي يستهدف طاقة إنتاجية هائلة.
المملكة اليوم تخلق بيئة متكاملة؛ فبينما تعمل «سير» على تصنيع السيارة، تعمل مبادرة «السعودية الخضراء» على توسيع البنية التحتية للشحن، وتستهدف أن تكون 30% من السيارات في الرياض كهربائية بحلول عام 2030. هذا التناغم بين الصناعة والبيئة والتشريع يجعل من تجربة المملكة نموذجاً فريداً في المنطقة.
إن مستقبل التنقل هو «كهربائي» بامتياز، والسباق اليوم ليس فقط على من يصنع السيارة الأسرع، بل على من يصنع النظام الأكثر ذكاءً واستدامة، ومن خلال مشاريع مثل «سير»، تضع المملكة العربية السعودية نفسها في مقعد القيادة، محولةً تحديات التحول الطاقي إلى فرص اقتصادية واعدة للأجيال القادمة، يقول عالم الاقتصاد والتكنولوجيا الشهير توني سيبا (Tony Seba)، الخبير في استشراف التحولات الصناعية: «نحن على أعتاب أسرع وأعمق تحول في تاريخ النقل؛ فبحلول عام 2030، لن تنهار صناعة محركات الاحتراق الداخلي بسبب نقص النفط، بل لأن التكنولوجيا الكهربائية أصبحت ببساطة أكثر كفاءة وأقل تكلفة».

