: آخر تحديث

مجتبى المحتجب: اختبار التاريخ

7
10
5

لا تحسبن مجتبى خامنئي، مرشد إيران المتحجب، بدعًا من الزعماء حينما يتحجب، وله قدوة وأسوة في السلف القديم من الأباطرة الأخمينيين: كورش ودارا، وخشايارشا (قمبيز) والأسلاف الوسطى، مثل بعض الساسانيين، إذ اتخذوا من التحجب سياسة ناجحة أحيانًا، لإضفاء القدسية.

وكان الكهنة الزرادشتيون يروجون بين الناس أن "الشاهنشاه" فيض إلهي مقدس، لا تحل رؤيته للعامة. وبعد أن سيطر الفرس على الدولة العباسية، فرضوا على خلفاء مستضعفين ثقافة التحجب الفارسية، كما كان يفعل أسلافهم في المدائن.

وبعد أن قضى طاغية إكباتانا (همذان) ديوسيس الأول الميدي المتحجب، بقرون، اتخذ كسرى الأول أنوشروان (531ـ579)، من التحجب سياسة ناجحة. ولم يكن عاهل قطسيفون (المدائن) ضعيفًا أو ألعوبة بيد الكهنة، كما بعض أسلافه أو بعض أحفاده، بل كان داهية مقدامًا وإصلاحيًا فذًا، قمع تغول الكهنة الفاسدين والنبلاء، وقضى على نظام الإقطاعيات ليشيد إمبراطورية قوية مرهوبة الجانب في الآفاق.

وسلف مجتبى القريب الشاه إسماعيل الصفوي، تحجب مرتين، في بداية توليه العرش وهو صبي، سترًا وخشية من الاغتيال، قبل أن يشب جبارًا سفاحًا يقود وحوش تشكيلات القزلباش الميليشياوية الأيديولوجية سيئة السمعة، تسفك الدماء بلا رحمة، وهي سلف يحتذى للحرس الثوري الإيراني وأذرعه اليوم.

وأدت نوائب الدهر بالشاه إسماعيل العنيد المتجبر، إلى مهاوي الذل، بعد أن وجه له السلطان العثماني سليم الأول ضربة تاريخية، وهزيمة موجعة في معركة جالديران عام 1514، شرق الأناضول، توجت لاحقًا باحتلال تبريز عاصمة الصفوي الجبار، واستيلاء الأتراك على خزائن الشاه الذي تحجب مرة أخرى، بفعل الهزيمة، في نهاية حكمه، وأدمن الخمر، إلى أن توفي عام 1524 وهو يعاني مرارة الهزيمة.

ونقرأ في التاريخ، وفي كثير من بلدان الدنيا، كيف يتحجب حكام شباب، بلا إرادة منهم، بإملاء من الأوليغارشية المتنفذة التي رفعتهم إلى سدة الحكم لتتولى هي التحكم بالسلطة، كما حدث في القرون الأخيرة للدولة العباسية، إذ بعد أن أفلت شمس الخلفاء العباسيين العزيزين الأقوياء، استمرأ الأتراك والبويهيون الفرس المتنفذون والخدم الأقوياء، لعبة تحجيب خلفاء ضعاف وعزلهم.

ولا نعلم هل مجتبى يتحجب بسبب تواضع مؤهلاته السياسية أو طلبًا للقدسية، لأنه يبالغ بالتحجب أكثر مما تتطلب الاحتياطات الأمنية، حتى إنه، وهو متحجب، قابل الرئيس مسعود بزشكيان بسيارة مظللة. وهذا أعطى سببًا لكثيرين للقول إن الذي قابله الرئيس في السيارة المظلمة، ليس المرشد، أو أنه المرشد لكن مصاب بتشوهات. ومهما كانت الحال لا يوجد سبب لأن يتحجب عن الرئيس الذي يفترض أنه ثقة ومأمون على الأسرار الشخصية للمرشد وأسرار الدولة الإيرانية. لكن لا ننسى أن الحرس الثوري لا يثق بالرئيس بزشكيان ويعامله على أنه مجرد موظف يثير الشكوك.

والأرجح لا يتمتع مجتبى خامنئي بكاريزما الزعامة، إنما المجموعة التي كانت تحيط بوالده المرشد السابق الداهية البطاش علي خامنئي، هي التي فرضته مرشدًا للمحافظة على امتيازاتها. وقيل إن أحمد وحيدي قائد الحرس الثوري ذو شخصية نافذة وهو الذي يدير المرشد والسلطة معًا. وإذا صدقت هذه الأقاويل، فلا بد أن وحيدي، حتمًا، هو الذي عين مجتبى مرشدًا، ويسيطر على قراراته، ويملي عليه قرارات تصب في مصالح ضباط الحرس، واستمرار هيمنتهم على كل شيء في إيران. وهذه تنافي الحكمة والوطنية، لكنها تتطابق تاريخيًا مع نزعات ذوي الامتيازات والمطامع والنفوذ.

وإذا كان ذلك صحيحًا فإن الإيرانيين وجيرانهم سيكابدون ليالي سهد طوالًا. والأرجح هذا ما يحدث لأن القيادة الإيرانية تبدو مشلولة، ومرتهنة كليًا لميليشيا الحرس الثوري، وتبذل جهدًا متواضعًا ومتلكئًا للخروج من المأزق التاريخي. مع أن الإيرانيين، إن لم يكونوا مكبلي الأيدي والألسن، مبدعون في إيجاد الحلول للمعضلات الكبرى، والمخارج حينما تضيق بهم الدنيا ويحاصرون.

وتر

شيراز وأصفهان وتبريز

ومدن البساتين

تواجه اختبار التاريخ

إذ تفنى الليالي والمدن البهية تكابد مرارة الصبر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.