في الرياض، انتهت أربع عشرة ساعة ونصف من العمل الجراحي الدقيق إلى بداية حياة جديدة لطفلتين تنزانيتين. أربعة وأربعون من الكفاءات الطبية، بقيادة الدكتور عبدالله الربيعة، عبروا تسع مراحل جراحية معقدة لفصل التوأم السيامي لايتيينس ولوفنس، في مشهد تختصر تفاصيله قصة سعودية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، وأصبحت معها المملكة مقصدًا لأسر تأتي من أقاصي العالم، تحمل أطفالها وآمالها في الشفاء، وتجد في الرياض فرصة جديدة للحياة.
غير أن السؤال الأهم يتجاوز نجاح العملية الخامسة والسبعين: كيف تحولت هذه الجراحات النادرة إلى مشروع إنساني تتبناه دولة، وتضع إمكاناتها الطبية والعلمية في خدمة أطفال لا تسألهم عن جنسياتهم أو أوطانهم؟
منذ انطلاق البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة عام 1990، امتدت رعايته إلى 160 حالة من 29 دولة في خمس قارات. أرقام تكشف عن تجربة تراكمت فيها المعرفة، وتطورت الخبرات، وأصبحت معها الجراحة المعقدة جزءًا من عمل مؤسسي مستمر، تدعمه الدولة وترعاه قيادتها.
واللافت في هذه التجربة أن الرعاية لا تبدأ عند باب غرفة العمليات، ولا تنتهي بإغلاق الجرح. فهناك رحلة طويلة من الفحوصات والتقييم والتأهيل والمتابعة، ترافقها عناية بالأطفال وأسرهم، وتتحمل المملكة تكاليف العلاج والرعاية ضمن برنامجها الإنساني.
ولعل التوأم التنزاني يقدم مثالًا واضحًا؛ فقد وصل إلى المملكة في كانون الثاني (يناير) الماضي، وخضع لفحوصات وتحضيرات طبية استمرت أشهرًا قبل أن يصبح الفصل ممكنًا. وخلف هذه التفاصيل العلمية حكاية أم انتظرت طويلًا لحظة ترى فيها طفلتيها وقد حصلت كل منهما على فرصة لحياة مستقلة.
هنا تتجلى القيمة الحضارية للتجربة السعودية. فالتقدم الطبي لا يكتسب معناه الكامل بما تحققه المختبرات وغرف العمليات من نجاحات، وإنما بما يتركه في حياة البشر من أثر. وحين تتحول الخبرة العلمية إلى فرصة تمنحها دولة لأطفال العالم، يصبح الإنجاز تعبيرًا عن مسؤولية إنسانية تتجاوز الحدود.
لقد استطاعت السعودية أن تجمع في هذا البرنامج بين التخصص العلمي الدقيق والالتزام الإنساني طويل المدى، وأن تقدم نموذجًا لاستثمار المعرفة في خدمة الإنسان، بعيدًا عن اعتبارات الجنسية والجغرافيا.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن المستفيدين منها أطفال لا يعرفون شيئًا عن السياسة وموازين القوى، ولا يدركون معنى العلاقات الدولية. كل ما سيعرفونه يومًا أن بلدًا بعيدًا عن أوطانهم منحهم فرصة جديدة للحياة.
إن عظمة الدول تظهر كذلك في الأثر الذي تتركه في حياة الإنسان، وفي قدرتها على تحويل إمكاناتها إلى رحمة تتجاوز حدودها.
وفي الرياض، حين ينجح الأطباء في فصل جسدين، فإنهم يكتبون في ذاكرة أسرة قصة ستبقى موصولة بالسعودية ما بقيت الحياة.


