تجنيد الأطفال في اليمن واحد من أبشع أشكال الانتهاك الاجتماعي والنفسي في تاريخ النزاعات الحديثة. فما يلحق بالأطفال من أذى لا يقتصر على الأضرار الجانبية للحروب، بل هو معاناة تكبر معهم وتستمر آثارها السلبية على الدولة والمجتمع حقبة طويلة من الزمن.
وعليه، فإن الوقوف عند البعدين النفسي والاجتماعي لهذه الظاهرة يقتضي فهم الآليات التي تُستغَلّ بها هشاشة هذه الفئة العمرية، ويُحوَّل بها الأطفال إلى أنصاف بشر يفقدون القدرة على الانسجام مع المجتمع. وتتعدد السبل المعتمدة لإقحام الأطفال في الجبهات، من العمل القسري المباشر إلى التضليل والتشويه الفكري، وصولًا، في بعض الحالات الميدانية، إلى انتزاع الأطفال قسرًا من كنف عائلات تعيش حالة من الاستقرار النسبي في ظروف الحرب. وهكذا يجد الأطفال أنفسهم وسط دوامة من المعارك لا يفقهون تفاصيلها ولا يعلمون ما تحمله لهم اللحظات التالية.
وفي حالات أخرى، استُغلّ الأطفال الأكبر سنًا عبر تغذية أذهانهم بأوهام قتال "الأعداء". وتكشف التفاصيل التي نشرتها وسائل الإعلام أمرًا صادمًا بشأن بعض المراهقين الذين تمكّنت الحكومة الشرعية من الإمساك بهم في جبهات القتال. فقد أُقنعوا بأنهم يقاتلون جنودًا من إسرائيل وأميركا وغيرهما، ليجدوا أنفسهم يقاتلون أبناء جلدتهم. ولا تقتصر أدوات السيطرة على التضليل الممنهج، بل تمتد لتشمل الإدمان القهري عبر توزيع المخدّر المعروف في اليمن بـ"القات"، والمتوافر في جبهات القتال كافة. وتعمل جماعة الحوثي على توفيره على حساب الطعام ذاته، بغية تعطيل إدراك الصغار وتجريدهم من القدرة على التفكير البسيط أثناء القتال، نظرًا إلى تأثير هذا المخدّر في السلوك العصبي والنفسي للمدمنين عليه.
تؤدي هذه الممارسات إلى تدمير الهوية الشخصية للأطفال وتعريضهم لصدمات نفسية مركّبة لا هوادة فيها. ويُجرَّد الطفل من حقه في النمو النفسي الطبيعي، ويُجبَر على ممارسة العنف في مرحلة تتشكّل فيها معالمه النفسية والفكرية. كما أن غسل الدماغ والتغييب الذهني القسري يعطّلان آليات التفكير، حتى البسيطة منها.
إن إقحام الأطفال في النزاعات المسلحة لا يقف عند حدود الضرر الفردي، بل يمتد أثره إلى ما هو أعمق من ذلك، إذ يُستخدَم أداة هدم مخطَّطًا لها لتفكيك النسيج الأسري والمجتمعي من جذوره. فالأسرة، وهي نواة المجتمع الأولى ودرعه الواقية، تفقد تدريجيًا مكانتها القيادية والتربوية. وحين يُنتزَع منها أطفالها، تُسلَب سلطتها لصالح سلطة السلاح والتضليل. ويولّد هذا الاقتلاع القسري والاستدراج الفكري حالة من التصدّع والضياع على المستويين الفردي والأسري، فتتفاقم أوجاع العائلات بين مرارة الفقد وحسرة العجز عن حماية أبنائها.
وبذلك تنشأ في المجتمع ظاهرة خطيرة تفضي إلى نشوء أجيال كاملة تسير نحو ثقافة من الأميّة الشاملة، فيحلّ السلاح محلّ القلم، وبيئة القتال المغلقة محلّ البيئة التعليمية التنموية.
إن تسرّب هؤلاء الأطفال من المنظومة التعليمية يقطع الإمداد الطبيعي لرأس المال البشري، ويحرم المجتمع، في حاضره ومستقبله، من الكفاءات والمهارات الأساسية اللازمة للنهوض به والتعافي من آثار الحروب. وفي ظل هذا الواقع الهش، تنشأ أجيال تتكيّف مع القوة والعنف بوصفهما لغة أساسية في الحياة، وتترسّخ بذلك ثقافة "السلاح أولًا"، مما يجرّد المجتمع من قيمه الأخلاقية والإنسانية بالكامل.


