: آخر تحديث

فساد الأمس وفساد اليوم

7
10
5

حيرتمونا. إذا تحدثنا عن الفساد الذي بدأ ينهش الدولة العراقية منذ الغزو الأميركي عام 2003، تردون علينا بأن الفساد كان موجودًا في العهود البائدة. وإذا انتقدنا فساد العهود السابقة، تردون علينا بأن ما يجري اليوم أوسع وأعمق وأشد.

نعم، كان الفساد موجودًا قبل الاحتلال، ولكنه لا يبرئ الذين كانوا ولا الذين جاءوا بعدهم. فمال العراقيين مالُهم في جميع العهود، والاعتداء عليه جريمة، سواء ارتكبها واحد يضع تاجًا، أو آخر عمامة، أو لا يضع شيئًا على رأسه.

في العهد الملكي كانت هناك إدارة وقضاء وتقاليد وظيفية، ولكن كان هناك أيضًا نفوذ ومحسوبية وتداخل بين المصالح السياسية والاقتصادية. ولذلك لا يصح أن نجعل ذلك العهد جنة ضائعة، مثلما لا يصح أن نختزل رجاله جميعًا في صورة اللصوص.

ثم جاءت الجمهورية، ورفعت شعارات العدالة وخدمة الفقراء ومحاربة الاستغلال. واحتفظ عبد الكريم قاسم في ذاكرة كثير من العراقيين بصورة الحاكم المتقشف البعيد عن الإثراء الشخصي. لكن نزاهة الحاكم، مهما كانت، لا تكفي لضمان نزاهة النظام. فالدولة لا يحميها زهد رجل، بل تحميها مؤسسات تستطيع مراقبة الحاكم، في حياته، ثم تستمر بعد رحيله.

وينطبق هذا المعيار على عهدي عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن. فلا يجوز أن نجعل بساطة الرئيس الشخصية دليلًا على خلو إدارته من الفساد، ولا أن نعتمد اتهامات خصومه والانقلابيين عليه بوصفها حقائق ثابتة. التاريخ يحتاج إلى وثائق، لا إلى ألقاب يطلقها المنتصرون على المهزومين.

وفي عهد أحمد حسن البكر، مع صعود نفوذ صدام حسين، تضخمت مؤسسات الدولة وإمكاناتها بفضل موارد النفط، فاتسعت معها قدرة الحزب على شراء الولاءات بالمناصب والمنافع. وحين يتقدم الولاء على الكفاءة، وتصبح الفرص مرتبطة بالقرب من السلطة، يبدأ الفساد حتى لو لم يمدَّ الموظف يده ليقبض رشوة.

ثم بلغ الحكم الفردي في عهد صدام حدًا جعل رئاسة الدولة أمرًا لا سلطة لمؤسسات الدولة عليها. كان يمكن معاقبة موظف صغير، بينما لا يستطيع أحد أن يسأل صاحب القرار الكبير: لماذا أنفقت؟ ولمن أعطيت؟ ومن خوّلك بأن تعطي مال الشعب لمن تشاء، متى تشاء، وكيف تشاء؟

ومع ذلك، يروّج بعض الكتّاب لنزاهة صدام بحجة أنه لم يكن يملك عقارًا باسمه، وأن القصور الرئاسية الباذخة كانت مسجلة باسم ديوان الرئاسة.

وحتى لو صحّ ذلك، فما الذي ينفعنا منه؟

هل تصبح استباحة المال العام نزاهة إذا بقيت أوراق الملكية باسم الديوان الرئاسي، بينما يتصرف الحاكم بالدولة وأموالها كما يشاء؟ وهل كان العراقي يستطيع دخول تلك القصور أو الاعتراض على بنائها، لمجرد أنها لم تكن مسجلة باسم صدام؟

وماذا عن ولديه وزوجته وإخوته وأقاربه وأعوانه المقربين؟

وماذا عن فضائح كيوبونات النفط التي كانت تنثر يمينًا وشمالًا على مسؤولين وسياسيين وصحفيين عرب وأجانب بالمئات؟

لا يقتصر الفساد على مال يودعه المسؤول في حسابه الخاص، أو عقار يسجله باسم أحد من أسرته. فاستخدام خزينة الدولة لشراء الضمائر والولاءات، ومكافأة المادحين، وتسخير أجهزة الدولة وأموالها لمحاربة الخصوم العراقيين والعرب والأجانب وتصفية الحسابات السياسية معهم، يدخل في صميم إساءة استعمال السلطة والمال العام. ولا يتحول إلى إنفاق مشروع لمجرد صدوره بأمر رئاسي أو رفع شعار الدفاع عن الثورة.

ثم جاء الغزو الأميركي، وسقط النظام، وكان يفترض أن يسقط معه احتكار الدولة واستباحة مواردها. وكان الأمل أن يصبح المسؤول خاضعًا للقانون، وأن تحل المواطنة محل الولاء للحاكم والحزب، وأن تصبح الخزينة ملكًا للعراقيين فعلًا.

لكن الاحتلال أضعف مؤسسات الدولة، فصار سهلًا أن يَفتح ضعفُ الرقابة أبوابًا واسعة للتجاوزات. ثم رسّخت المحاصصة تقاسم الوزارات والمناصب، فتحولت مؤسسات عامة إلى مصادر للنفوذ والتمويل الحزبي.

وهنا تجاوز الفساد حدود موظف يختلس أو وزير يرتشي. أصبح المال العام يَفتح للحزب أبواب السلطة، والسلطة تَفتح له أبواب المال.

وهذا لا يعني أن كل موظف فاسد، أو أن كل من تولى مسؤولية لص. ففي مؤسسات العراق موظفون كبار وصغار نزيهون لا يرفضون المشاركة في الفساد فقط، بل يخوضون حروبًا ومعارك مع الفساد والفاسدين.

إنَّ العراقي لا يحتاج إلى مفاضلة بين فساد الأمس وفساد اليوم. يحتاج إلى دولة يخاف رؤساؤها وموظفوها من رقابة الشعب ومن العقاب والحساب والكتاب. ولله في خلقه شؤون.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.