: آخر تحديث

انتخابات 2026: المأزق السياسي يعيد الأحزاب العربية إلى مركز المشهد

8
10
7

تضع النتائج النهائية لانتخابات الكنيست الـ26 إسرائيل أمام واحدة من أكثر الأزمات السياسية تعقيدًا في السنوات الأخيرة. فبالرغم من تصدّر بنيامين نتنياهو المشهد بحصول حزب الليكود على 27 مقعدًا، لم يتمكن المعسكر الداعم له من تجاوز 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر التغيير بقيادة غادي أيزنكوت. أما الأحزاب العربية، التي حصدت مجتمعة 19 مقعدًا، فقد تحولت عمليًا إلى بيضة القبان في معركة تشكيل الحكومة المقبلة.

ومن أبرز سمات هذه الانتخابات نسبة التصويت المرتفعة التي بلغت 77.9 بالمئة، والإنجاز الذي حققته الأحزاب العربية، إذ كادت تضاعف قوتها البرلمانية مقارنة بالكنيست المنتهية ولايتها. فقد حصلت القائمة المشتركة على 11 مقعدًا، بينما نالت القائمة العربية الموحدة، برئاسة منصور عباس، ثمانية مقاعد. ولا تعكس هذه النتيجة تغييرًا في موازين القوى الحزبية فحسب، بل تشير أيضًا إلى عودة المجتمع العربي إلى قلب المشهد السياسي.

نتنياهو: الحفاظ على المعسكر أم الانفتاح على الوسط؟

تمثل النتائج ضربة سياسية قوية لنتنياهو. فقد كانت الحكومة المنتهية ولايتها تستند إلى ائتلاف يضم 68 مقعدًا، بينما خسر المعسكر الحالي 15 مقعدًا. ويتمثل الخيار الأول أمامه في محاولة الحفاظ على تحالفه مع الأحزاب الحريدية، والصهيونية الدينية، وحزب عوتسما يهوديت، والبحث عن ثمانية أعضاء كنيست إضافيين على الأقل، من خلال استقطاب منشقين أو شركاء جدد.

وثمة خيار آخر يتمثل في تشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة مع بعض أحزاب الوسط واليمين المعتدل. غير أن هذه الخطوة ستفرض عليه التخلي عن بعض شركائه الحاليين، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، فضلًا عن مواجهة تصريحات أيزنكوت ونفتالي بينيت وليبرمان الرافضة للجلوس في حكومة برئاسته.

لكن الخيار الأفضل لنتنياهو قد يكون التوجه إلى انتخابات جديدة، إذ يُتوقع أن تكون نسبة التصويت في المجتمع العربي أقل، وأن يتراجع حماس أنصار معسكر التغيير للمشاركة، الأمر الذي قد يعزز فرصه في الفوز. وفي الوقت الراهن، يتركز جهده على محاولة نزع الشرعية عن الصوت العربي والحيلولة دون تمكن المعسكر المعارض له من السيطرة على الكنيست.

أيزنكوت: بين حكومة التغيير والشراكة العربية

يواجه غادي أيزنكوت، الذي حصل حزبه يَشَر على 21 مقعدًا، وأصبح القوة المركزية في معسكر معارضي نتنياهو، معضلة سياسية معقدة. فبالتعاون مع بينيت ولابيد ويائير غولان وأفيغدور ليبرمان، لا يمتلك هذا المعسكر سوى 48 مقعدًا.

والخيار الحسابي الواضح أمامه هو الاستعانة بالأحزاب العربية. فإذا أيد أعضاء الكنيست العرب الـ19 جميعًا حكومة التغيير، أمكن الوصول إلى 67 مقعدًا، كما أن دعم 13 عضوًا منهم يكفي لتأمين أغلبية من 61 مقعدًا. لكن هذا التعاون ليس سهلًا من الناحية السياسية، إذ سبق لبينيت وليبرمان وأيزنكوت أن أبدوا تحفظات جدية، بل وقد تعهدوا بعدم إقامة شراكة ائتلافية مع الأحزاب العربية.

وقد أعلن رئيس حزب الديمقراطيين، يائير غولان، استعداده لشراكة سياسية مع القائمة العربية الموحدة (رعام)، بل ودفع باتجاه تعاون أوسع بين اليهود والعرب. كما أبدى منصور عباس إشارات إلى استعداده للتفاوض مع المعسكر الساعي إلى استبدال نتنياهو. لكن القائمة الموحدة والقائمة المشتركة ليستا كتلة سياسية واحدة، ولا تتطابق مصالحهما بالضرورة.

أما خيار خوض انتخابات جديدة فليس مناسبًا لهذا المعسكر، إذ يبدو أنه استنفد بالفعل معظم إمكانات استقطاب ناخبيه.

لذلك، فإن الخطوة الأفضل بالنسبة إليه قد تتمثل في الاستعانة بالأحزاب العربية لتغيير رئيس الكنيست والسيطرة على اللجان البرلمانية، وطرح تشريعات تلغي القوانين التي سنّها نتنياهو في إطار الانقلاب على النظام القضائي، إلى جانب محاولة استقطاب أعضاء كنيست من المعسكر المقابل.

الأحزاب العربية: من القوة الانتخابية إلى التأثير السياسي؟

تمنح المقاعد الـ19 التمثيل العربي فرصة للتأثير بصورة ملموسة في تركيبة الحكومة وجدول أعمال الدولة. ومن المتوقع أن تتركز مطالبه على مكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، وزيادة ميزانيات التطوير، وتحسين البنية التحتية، وتوفير فرص العمل، وتعزيز المساواة في الحقوق المدنية.

لكن القوة الانتخابية لا تضمن بالضرورة النفوذ الحكومي. فإذا رفضت الأحزاب الصهيونية التعاون معها، فقد تجد الأحزاب العربية نفسها خارج مراكز صنع القرار، بالرغم من الإنجاز الانتخابي الكبير الذي حققته.

ما الخطوات المقبلة؟

تتمثل المحطة المقبلة في مشاورات الكتل البرلمانية لدى الرئيس إسحاق هرتسوغ، بعد إحالة النتائج الرسمية إليه في 4 تشرين الثاني (نوفمبر). ومن المتوقع أن يعقد الكنيست الجديد جلسته الافتتاحية ويؤدي أعضاؤه اليمين الدستورية في 10 تشرين الثاني (نوفمبر).

وفي موازاة ذلك، سيحاول نتنياهو وأيزنكوت حشد التأييد، وفحص إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراء مفاوضات مع الأحزاب التي يمكن أن يؤدي موقفها إلى تغيير خريطة القوى السياسية.

وفي حال فشل الزعيمان في تشكيل ائتلاف حكومي، قد يتحول سيناريو الانتخابات المبكرة إلى احتمال واقعي.

الخلاصة: لم تمنح الانتخابات أيًا من المعسكرين تفويضًا واضحًا للحكم. فما زال نتنياهو يمتلك القوة السياسية الأكبر على رأس معسكره، لكنه فقد الأغلبية التي كان يتمتع بها. وحقق أيزنكوت إنجازًا مهمًا، لكنه عاجز عن تشكيل حكومة من دون شركاء إضافيين. أما الأحزاب العربية، فقد أصبحت، للمرة الأولى منذ سنوات، تمتلك قوة برلمانية يمكن أن تحسم هوية الحكومة المقبلة.

والسؤال المركزي لم يعد فقط من سيتمكن من تشكيل الحكومة، بل ما إذا كانت السياسة الإسرائيلية قادرة على تجاوز المقاطعة والخطوط الحمراء، والتوصل إلى تفاهمات تتيح إقامة حكومة مستقرة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.