: آخر تحديث

رداء العمل ورداءة المجتمع

7
11
7

«.. إن الأوطان لا تنهض بالأضرحة، بل بالمختبرات والعلم، ولا تُبنى بالكرامات، بل بالأفكار البناءة»!.. إبتهال عبدالوهاب

* * *

يبدو، من واقع مؤشرات كثيرة، وفي أكثر من دولة عربية وإسلامية، أن كل محاولات إيقاظ العقل العربي، وانتشاله من الأوهام، وإقناعه بأن الحل لجميع مشاكلنا لا يكمن في التشدد الديني، بل بالانفتاح والتسامح والتعايش مع الآخر، قد منيت غالبيتها بالفشل، فساهم ذلك في زيادة تخلفنا، وقابله على الطرف الآخر، المعادي لنا، زيادة تقدمه وتطور قوته. فقوى عربية عدة أصبحت أكثر ميلاً للسكون والتدين، في محاولة لإثبات أن محاربة قوى التخلف، المتمثلة في الإخوان وغيرهم، لا تعني إطلاقاً معاداة التدين، لذا رأينا زيادة كبيرة في تشجيع المظاهر الدينية، خاصة ما تمثل منها في زيارة أضرحة الأئمة والأولياء، وأصحاب الكرامات، فقد جذب مزار السيد البدوي، مثلاً، أكثر من خمسة ملايين، هذا العام، لا يعرف غالبيتهم الساحقة شيئاً عن حقيقة شخصيته، وسبق أن قال محمد متولي شعراوي إنه التقاه، عندما كان يمر بضائقة مالية، ووفر له ما يفك ضائقته، وأنه التقاه ثانية، وطلب استرداد ما دفعه له، علما بأن السيد البدوي ولد في المغرب قبل 800 عام. ولا مجال هنا لحصر عشرات الحالات المماثلة في مصر وأفغانستان وإيران وباكستان والمغرب والعراق، وغيرها. كما أصبحنا في الكويت، فجأة، أكثر اهتماماً بما يجب على أكثر من 400 ألف موظف حكومي ارتداؤه، وهم يشكلون قرابة ثلث الشعب، في تدخل حكومي غير محمود، وكأننا كنا قبل فرض «قواعد الرداء الحكومي»، أمة ضائعة أخلاقياً، وقليلة الأدب وفاقدة للحشمة!

قد تصب قرارات الحكومة، غالباً ومؤقتاً، في اتجاه زيادة الجرعة الدينية في المجتمع، ولكن مثل هذه القرارات لا يمكن أن تسهم في تقدمه، ولا يعني ذلك أن العكس هو الصحيح، لكن فرض لباس معين هو قرار سياسي أكثر مما هو قرار عقلاني ومنطقي، ولن يسهم تطبيقه حتماً في زيادة علم الإنسان ومعارفه، أو يوسع مداركه، أو يحسن من خلقه، بل يسهم في منع طرح السؤال والنقد، وجعل التعليم والثقافة والإعلام أموراً هامشية، ليستمر تفضيل الغالبية اللجوء «للأئمة وأولياء الله الصالحين»، لحل مشاكلنا، بدلاً من إعطاء البحث والمعرفة والعلم المكانة التي تستحقها، بعد أن تضاءلت أو اختفت تماماً، لدى الغالبية، الحدود بين الخرافة والإيمان.

تقول الأستاذة إبتهال: «لا أكتب من منطلق الاستعلاء على الناس، ولا انتقاصاً من حقهم في التدين أو ممارسة الشعائر، بل أكتبها بحزن إنسانة تخشى على وطنها من أن يفقد قدرته على التمييز بين الإيمان، والخرافة. فالمشكلة ليست في أن يذهب الناس إلى المولد، بل في أن تتحول الخرافة إلى سلطة اجتماعية، وأن يصبح الاعتراض عليها جريمة، فتكتسب المعتقدات حصانةً ضد السؤال لمجرد أننا توارثناها لأجيال، بحيث أصبحت قادرةً على استقطاب الحشود. فما الذي يجعل قطاعات واسعة من المجتمع تجد في الموروث الشعبي ملاذاً ومعنى، بينما تبدو الثقافة العقلانية بعيدة عن حياتها اليومية؟! وهنا لا أتكلم عن ضريح بعينه، ولا مدينة بعينها، بل أزمة ثقافية أوسع من أن تختزل في موسم احتفالي، أزمة تتداخل فيها هشاشة التعليم، وضعف التفكير النقدي، والخوف من المجهول، والبحث عن الطمأنينة في عالم قاسٍ، وتراجع الثقة بقدرة الإنسان على تغيير واقعه بأدواته الخاصة.

حين تضيق الحياة بالإنسان، وتثقل كاهله الأزمات، ويشعر بأن أبواب العدالة والفرص مغلقة في وجهه، يصبح الوعد بحل خارقٍ أكثر جاذبية من طريق طويل وشاق يبدأ بالتعلم والعمل والتغيير.

وحين تعجز المؤسسات عن تقديم إجابات مقنعة، تتقدم الحكايات التي تعد بالخلاص السريع. وحين يفقد الإنسان ثقته بقدرته على الفعل، يقوم بالبحث عن قوة غيبية تتولى عنه ما عجز عن مواجهته، فتصبح الطمأنينة بديلاً عن المعرفة، ويستسلم الإنسان لفكرة أن مصيره يتغير بوساطة قوى خارقة، بينما يظل واقعه محتاجاً إلى إصلاح وعمل ومسؤولية.

تغيير المجتمع للأفضل عملية بطيئة ومتعرجة، وممتلئة بالانتكاسات، لكن ذلك لا يعفينا من مراجعة أدواتنا، والاستمرار في مخاطبة الناس».


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد