يركز معظم النقاش حول الذكاء الاصطناعي على الوظائف التي قد تختفي، بينما لا يحظى العمل الجديد الذي تخلقه هذه التقنية بالاهتمام نفسه. تقدم دراسة حديثة من كلية لندن للاقتصاد جانبا آخر من هذا التحول، استنادا إلى تحليل 18.4 مليون بند من المهام الوظيفية في إعلانات التوظيف الأميركية بين عامي 2019 و2026.
وجدت الدراسة أن معدل ظهور المهام الجديدة في الثلث الأعلى من المهن من حيث استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي ارتفع من 0.5 إلى 2.6 مهمة جديدة لكل مئة بند بين عامي 2022 و2026. وتتركز معظم هذه الزيادة في الأعمال المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نفسه، مثل تطويره وحوكمته وتوجيه استخدامه وقيادة تبنيه داخل المؤسسات.
أما العمل مع الذكاء الاصطناعي دون المشاركة في تطويره، فقد ارتفعت حصته من 4% من بنود المهام المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال الفترة 2019–2023 إلى 22% في عام 2026. لكن نحو 40% من هذا النوع من العمل يقتصر على استخدام الأدوات في أداء مهام قائمة، دون أن يمثل بالضرورة عملاً جديداً. وهذا يبرز الفرق بين استخدام التقنية لتطوير طريقة أداء العمل وظهور مسؤوليات لم تكن موجودة سابقا، وهنا يظهر الفرق بين تغيير طريقة أداء المهام وظهور أعمال جديدة بحد ذاتها.
استخدام الذكاء الاصطناعي لإعداد تقرير هو مثال على إنجاز مهمة قائمة بأداة جديدة، بينما تصميم آلية لاستخدامه داخل المؤسسة، ووضع معايير لمراجعة مخرجاته، وقياس جودة نتائجه، قد تمثل عملاً جديداً.. ولا يقتصر هذا التحول على المهن التقنية، إذ رصدت الدراسة ارتفاعا بنحو ثلاثة أضعاف في انتشار المهام المرتبطة بالأدوات التقنية والبيانات، مثل إعداد لوحات المؤشرات، في مهن لم تتضمن إعلاناتها هذه المهام خلال عامي 2019 و2020.
تشير هذه النتائج إلى أن أهمية المهارات المهنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز مجرد استخدام أدواته، لتشمل القدرة على توجيهها ومراجعة مخرجاتها وإدارة تبنيها.. ومع ذلك، فإن إعلانات التوظيف تعكس احتياجات أصحاب العمل المعلنة، وليس بالضرورة واقع العمل، كما أن ظهور مهام جديدة لا يعني تلقائيا خلق وظائف إضافية. وتشير الدراسة أيضا إلى أن معظم علاوة الأجر المعلنة المرتبطة بمهام الذكاء الاصطناعي يمكن تفسيرها باختلاف الشركات والمسميات الوظيفية، وليس بالمهارة وحدها.
الخلاصة: بالنسبة إلى من يخطط لتطوير مساره المهني، فإن أهمية هذه النتائج تكمن في فهم التحول في طبيعة العمل والاستعداد له، مع الحذر من تعميم الأرقام الأميركية على أسواق أخرى.. فمع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي قد يصبح التميز المهني مرتبطا بصورة أكبر بالقدرة على تحديد فرص الاستفادة منها، وتوجيه استخدامها، وقياس أثرها في العمل.

