الحروب التي تهدد الدول تبدأ أحياناً بعيداً عن حدودها. في مضيقي هرمز وباب المندب، تجري تطورات أمنية تستحق اهتمام العالم بأسره، فهاتان المنطقتان البحريتان تمر عبرهما إمدادات الطاقة وحركة التجارة الدولية، وأي تهديد يستهدف سلامة العبور فيهما يضع مصالح عشرات الدول أمام مخاطر اقتصادية وأمنية واسعة. الأسبوع الماضي شهد استمرار الاعتداءات الحوثية على أراضي المملكة، فيما حمل وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان إلى اجتماعات مجموعة العشرين في أتلانتا قضية أمن الملاحة، وطرحها خلال مباحثات مع أربع دول مؤثرة في الاقتصاد والسياسة الدولية، في تحرك يعكس أهمية هذه القضية ومكانتها المتقدمة ضمن الأولويات الدولية.
في أتلانتا، التقى وزير الخارجية نظراءه في ألمانيا والبرازيل وفرنسا واليابان، وحضرت التهديدات البحرية في المباحثات بوصفها قضية تتصل بالمصالح الاقتصادية والأمنية للدول، وتستدعي تنسيقاً دبلوماسياً يحفظ حرية العبور وانتظام حركة السفن، ويعزز المسؤولية المشتركة عن حماية الممرات الاستراتيجية وفق التزامات دولية واضحة.
يحمل اختيار هذه الدول دلالة تتجاوز نطاق اللقاءات الثنائية، فحضور قوى اقتصادية من أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبية في المشاورات السعودية يوسع دائرة الاهتمام بأمن الملاحة، ويمنح القضية امتداداً داخل مراكز القرار الدولي، ويعكس إدراك المملكة لأهمية إشراك الاقتصادات الكبرى في الجهود الرامية إلى صيانة الطرق البحرية التي تعتمد عليها حركة التجارة والطاقة.
حضرت الاعتداءات الحوثية على أراضي المملكة في المباحثات مع فرنسا واليابان ضمن استعراض التطورات الإقليمية، وهو حضور يؤكد أهمية التعامل مع هذه الاعتداءات باعتبارها قضية تتصل بأمن الدول وسلامة أراضيها، ويضع التهديدات التي تواجه المنطقة ضمن مسؤوليات المجتمع الدولي تجاه حماية الاستقرار والمصالح المدنية والاقتصادية.
تحتفظ جغرافيا الخليج العربي والبحر الأحمر بمكانة استثنائية في حركة الاقتصاد العالمي، فمضيق هرمز أحد الممرات الرئيسية لإمدادات الطاقة، وباب المندب بوابة بحرية تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس، وتمنح هذه المواقع التطورات الأمنية المحيطة بها تأثيراً مباشراً في تكاليف النقل والتأمين وانتظام الإمدادات، وتضع سلامة العبور ضمن المصالح الاستراتيجية للدول الصناعية والتجارية.
في قراءة أوسع، تكشف مباحثات أتلانتا عن توجه سعودي يسعى إلى تحويل الاهتمام الدولي بأمن الملاحة إلى مواقف دبلوماسية أكثر وضوحاً، تستند إلى المصالح المشتركة ومسؤولية الدول المؤثرة عن حماية الطرق البحرية، وتمنح المملكة دوراً متقدماً في صياغة التفاهمات المتعلقة باستقرار المنطقة، مستفيدة من علاقاتها الدولية ومكانتها في منظومة الطاقة والتجارة العالمية.
تدرك المملكة أن استقرار البحار جزء أصيل من استقرار الاقتصاد الدولي، وأن حماية الممرات الاستراتيجية تتطلب عملاً دبلوماسياً مستمراً والتزاماً جماعياً يحفظ سيادة الدول ويصون مصالحها الحيوية. وفي هذا التحرك، تؤكد المملكة أن أمن البحار مسؤولية دولية تتطلب مواقف واضحة وإرادة مشتركة، وأن استقرار المنطقة يستدعي حماية الممرات التي تحمل إلى العالم طاقته وتجارته ومصالحه الحيوية.

