: آخر تحديث

الأنذال السبعة... حين تسقط الأقنعة وتتكلم المرايا

7
10
5

لي في تشريح الخيانة فلسفة، وفي قراءة الأقنعة منهج، وفي سقوط الذين توهّموا أن التاريخ بلا ذاكرة يقينٌ لا يتزعزع!

فليس كل من صافحك صديقًا، ولا كل من اقتسم خبزك حليفًا، ولا كل من أقسم بالوفاء يعرف للشرف معنى. بعض الوجوه لا تسقط أقنعتها إلا حين تتبدّل موازين القوة، وبعض النفوس لا تنكشف معادنها إلا حين تتوهّم أن صاحب الفضل قد ضعف، وأن ذاكرة المعروف قد ماتت، وأن الزمن قادر على غسل عار الخيانة، لكنهم يجهلون حكمة التاريخ الكبرى: أن المواقف قد تتغيّر، والمصالح قد تتبدّل، والأقنعة قد تتجمّل، أما المعادن فلا تتغيّر، وأن الخيانة قد تنتصر في حسابات اللحظة، لكنها تُهزم دائمًا أمام ذاكرة الزمن. فالتاريخ قد يغفر للعدو عداوته، لكنه لا يمنح الخائن شرف الوفاء!

في السياسة كما في الحياة، ثمة أنذال لا تجمعهم جنسية، ولا تحددهم جغرافيا، ولا تميزهم راية، لأنهم مدرسة عابرة للحدود، لها سبعة وجوه، وسبعة أقنعة، وسبع طرق في اغتيال المعنى؟

أول الأنذال هو نذل المائدة، ذلك الذي يأكل من خبزك حتى يشبع، ويستظل بسقفك حتى يأمن، ويصعد على كتفيك حتى يرى العالم، ثم يبدأ بإقناع الآخرين بأنه هو الذي بنى البيت، وزرع القمح، ونجح منفردًا مختلقًا قصة كاذبة لصعوده المفترض. وهذا لا يخونك لأنه اختلف معك، بل لأنه لا يحتمل أن تبقى شاهدًا على بداياته الصغيرة. يريد قتل الذاكرة قبل قتل العلاقة، لأن وجودك وحده يفضح الرواية التي اخترعها عن نفسه. وفي السياسة، كم من كيان نشأ في حضن قوة، ثم توهّم أن أول شروط السيادة إنكار الأمومة!

أما ثاني الأنذال فهو نذل الظل، لا يجرؤ على مواجهتك في الضوء، لكنه يقضي عمره في ترتيب الخناجر داخل العتمة. يبتسم عندما يراك، ويطعن صورتك عندما تغيب، ويبيع أسرارك لمن يدفع، ثم يعود ليسألك ببراءة مصطنعة: من الذي فعل بك هذا؟ إنه لا يريد إسقاطك بقدر ما يريد أن تسقط دون أن تظهر بصماته. وهذا أخطر أنواع الأنذال، لأنه لا يمتلك شجاعة العداوة، ولا أخلاق الصداقة. إنه كائن يعيش في المنطقة العفنة بين الاثنين!

أما نذل الميزان فهو الثالث، وهذا النذل لا يعرف المبادئ، بل يعرف الأسعار. لا يسأل أين الحق، وإنما يسأل أين القوة. فإذا رجحت كفتك، صار شاعرك وحارسك، وإذا مالت، أصبح قاضيًا عليك، وشاهدًا ضدك، ومؤرخًا لجرائم لم يكن يراها بالأمس. إنه لا يغيّر موقفه لأنه اكتشف الحقيقة، بل لأن الحقيقة عنده هي الجهة التي تستطيع الدفع. وفي العلاقات الدولية، كم من خطاب عن المبادئ لم يكن سوى فاتورة تنتظر التسديد!

رابع الأنذال هو نذل الحريق الذي يشعل النار سرًا، ثم يصل حاملًا الماء أمام الكاميرات. يصنع الأزمة ليبيع الحل، ويغذي الانقسام ليعرض الوساطة، ويزرع الخوف ليحتكر الطمأنينة. إنه لا يحتاج إلى انتصار أحد، يحتاج فقط إلى استمرار النزيف. وحين تسمعه يتحدث عن السلام، فتّش عن أصابعه، فقد تجد عليها رماد البيوت التي احترقت. وهذا النوع لا يعيش على الخراب فحسب، إنه يحتاج إلى أن يبدو الخراب قدرًا، حتى لا يسأله أحد عمّن أشعل الشرارة الأولى.

أما الخامس، وهو الأخطر كما أعتقد، وأطلق عليه نذل المرآة: لا يرى في الآخرين بشرًا، بل أدوات تعكس عظمته المتخيلة. يمنحك القرب ما دمت تصفق، ويسمي استقلالك خيانة، واختلافك مؤامرة، وكرامتك تمردًا. إنه يريد أتباعًا بلا عقول، وحلفاء بلا إرادة، وأصدقاء بلا ذاكرة. وحين ترفض الانحناء، لا يغضب لأنك أخطأت، بل لأنك ذكّرته بأنه ليس إلهًا. وأشد ما يخيف هذا النذل ليس عدوًا قويًا، بل إنسانًا حرًا لا يحتاج إلى رضاه!

سادسهم الوريث النذل، لم يبنِ مجدًا، لكنه يتقن السكن في أطلال أمجاد الآخرين. يرث الأسماء ولا يرث القيم، ويستولي على المقاعد ولا يستحق المكانة، ويعتقد أن التاريخ عقار ينتقل بالتوقيع. وحين تضيق به المقارنة مع من سبقوه، يبدأ بهدم تماثيلهم المعنوية، لا لأنه أكبر منهم، بل لأنه أصغر من أن يقف بجوارهم. هو لا يصنع المستقبل، وإنما يحاول تزوير الماضي حتى يجد لنفسه مكانًا فيه. والفرق بين الوارث والجدير أن الأول يتسلم المفاتيح، أما الثاني فيعرف كيف يحفظ البيت.

أما آخر الأنذال وسابعهم فهو نذل اللحظة الأخيرة، وهذا سيد الأنذال جميعًا، حيث يبقى إلى جانبك ما دامت سفينتك قوية، ويقسم أن البحر لن يفرق بينكما. لكنه أول من يثقب القارب عندما تهب العاصفة، وأول من يقف على الشاطئ ليعلن أنه حذّرك من الغرق!

لا يكتفي بالهروب، بل يريد أن يُسجَّل في التاريخ بوصفه صاحب البصيرة، وأن تُسجَّل أنت بوصفك المسؤول عن الكارثة، لأنه يخون مرتين: مرة عندما يتركك، ومرة عندما يعيد كتابة الحكاية. وهذا النذل لا تفضحه الخيانة وحدها، بل توقيتها!

ختامًا، أيها العابرون بين الوجوه والأقنعة، لا تنخدعوا بطول المصافحة، ولا بحرارة العناق، ولا بفصاحة القسم. فالأخلاق لا تُقاس بما يقوله الناس عند توزيع المكاسب، وإنما بما يفعلونه عندما تبدأ الخسائر. والدول، مثل الأفراد، لا تُعرف حقيقتها في صور القمم، بل في ساعات الامتحان، حين يصبح الوفاء مكلفًا، والغدر مربحًا، والصمت صفقة، والموقف تضحية.

تذكّروا أن النذل قد ينتصر في معركة، وقد يجمع ثروة، وقد يحتل منصبًا، وقد يشتري ألف لسان ليمدحه، لكنه يظل عاجزًا عن شراء شيء واحد: تاريخ نظيف لا يخجل منه صاحبه.

وأما الذين تعرّضوا للخذلان، فلا تستنزفوا أعماركم في مطاردة الأقنعة. دعوا أصحابها يرتدونها حتى النهاية، فبعض الوجوه لا تحتاج إلى من يفضحها، وإنما تحتاج إلى مزيد من الوقت.

وأقولها كلمة أخيرة، تُنقش على أبواب القصور، وفي دهاليز السلطة، وعلى جدران البيوت التي ذاقت الخيانة:

ليس نذلًا من انحاز إلى عدوك، فقد يكون أقرب إليه منك، إنما النذل من ائتمنته على موضع جرحك، فحفظ السرّ حتى وجد الفرصة ليغرس سكينه فيه!

وللتاريخ عدالة غريبة: قد يتأخر في إنصاف الأوفياء، لكنه لا يمنح الأنذال شهادة شرف، مهما طال عمر انتصاراتهم المزعومة، فلا تخافوا من عدوٍّ أعلن عداوته، بل احذروا نذلًا تعلّم أسماء أبنائكم، وحفظ مفاتيح بيوتكم، ثم أقنع نفسه أن الخيانة مجرد وجه آخر للذكاء!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.