تحليل السياسات الجيوسياسية المتعلقة بمضيق هرمز وباب المندب يثير الكثير من النقاشات، وتتعدد القراءات حول الأدوار الخفية والمعلنة للقوى الإقليمية والدولية المؤثرة في هذه الممرات الحيوية، حيث يرى بعض المحللين السياسيين أن هناك ما يُعرف بتخادم المصالح أو الالتقاء غير المباشر بين قوى تبدو متعادية ظاهريًا، فكما نعلم أن استمرار التهديد الإيراني للملاحة البحرية يُوجد مبررًا دائمًا للوجود العسكري الأميركي والأجنبي المكثف في مياه الخليج العربي والبحر الأحمر.
سياسيًا تُستخدم الأزمات الأمنية في المضائق والممرات البحرية الدولية كأداة للضغط الاقتصادي والسياسي، مما قد يدفع نحو تبني خيارات سياسية معينة أو البحث عن تحالفات أمنية جديدة لحماية الأمن القومي، وإذا ما عكسنا هذه السياسة على منطقة الشرق الأوسط، فغالبًا يتم الضغط على الدول العربية نحو تبني مسارات يُراد لها أن تسلكها، وإن كانت على حساب مبادئها ونهجها وحتى على حساب أمنها القومي.
مفهوم الالتقاء غير المباشر بين قوى تبدو متعادية ظاهريًا يُعرف في علوم السياسة والعلاقات الدولية بتخادم المصالح أو التقاء المصالح الضمني، وهو يفسر كيف يمكن لخصمين معلنين أن يستفيدا من أفعال بعضهما البعض دون الحاجة إلى وجود تنسيق مباشر أو تحالف سري، وفي حالة المعادلة الأميركية-الإيرانية في المنطقة يتجلى هذا الالتقاء غير المباشر في عدة أبعاد رئيسية، كالوجود العسكري الأميركي المكثف في الخليج والبحر الأحمر الذي قد يتطلب وجوده مبررًا أمنيًا مستمرًا، كذلك التهديدات الإيرانية للمضائق كمضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر تمنح واشنطن الذريعة الدائمة لتثبيت قواعدها، وتوجد لنفسها مبررًا لحماية حلفائها وبيع صفقات تسليح ضخمة بما يُسمى بالابتزاز الأمني.
في الجهة المقابلة تحتاج طهران إلى عدو خارجي مستمر كالولايات المتحدة وإسرائيل، وقبلها كانت لديها ذريعة داعش لدعم وتبرير مشروعها التوسعي والسيطرة على قرارات عواصم عربية وتعبئة الحاضنة الشعبية تحت شعار المقاومة، مما يضمن استمرار نظامها السياسي، أما أميركا فتُحقق ذلك من خلال السماح بوجود مستوى محدد من التهديد الإيراني دون تجاوزه للخطوط الحمراء التي تؤدي لحرب شاملة، فتضع واشنطن دول المنطقة أمام خيارين: إما الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية بشروطها، أو الدخول في تحالفات إقليمية جديدة تشمل إسرائيل كشريك أمني لمواجهة الخطر المشترك، وهو ما تُخطط له إسرائيل كخطوة مبدئية لتحقيق أهدافها التوسعية في المنطقة وفرض أجنداتها القومية، وهي المستفيد الأكبر التي تجد في الخطر الإيراني بوابتها الذهبية للاندماج في المنطقة كقوة دفاعية حليفة للدول العربية، بدلاً من كونها طرفًا معاديًا، ناهيك عن استغلالها لأزمة إغلاق مضيق هرمز لتبيع النفط والغاز الأميركي لدول القارة الأوروبية وشرق آسيا بأسعار مضاعفة.
تاريخيًا هناك محطات أثبتت هذا الالتقاء غير المباشر، مثل المشهد العراقي بعد عام 2003، حيث أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين، العدو اللدود لإيران، ثم سلمت العراق عمليًا لنفوذ أحزاب وفصائل موالية لطهران، وفي الحرب ضد تنظيم داعش تقاسمت الطائرات الأميركية والأذرع الإيرانية الأجواء والأراضي العراقية والسورية لضرب عدو مشترك دون توقيع اتفاقية تحالف واحدة.
السياسة الدولية لا تُدار بالمبادئ أو الشعارات المعلنة، بل ببراغماتية مفرطة، فالخصومة بين واشنطن وطهران حقيقية في ملفات كثيرة كالملف النووي والصواريخ البالستية، لكنها تتحول في ملفات أخرى إلى أداة تخدم الطرفين على حساب أطراف ثالثة، مما يجعل العداء الظاهري وسيلة ممتازة لإدارة المصالح المشتركة من تحت الطاولة.
أما الموقف الخليجي من العلاقات الأميركية الإيرانية، أو ما يوصف في بعض الأدبيات السياسية بتخادم المصالح أو تقاطعات المصلحة بين واشنطن وطهران، فبالحذر الشديد والبراغماتية العالية، وقد مرت هذه النظرة الخليجية بتحولات استراتيجية عميقة، لا سيما بعد أن أدركت دول الخليج أن أمنها واستقرارها لا يمكن رهنهما للتفاهمات أو الصفقات الدولية التي تتم فوق رؤوس دول المنطقة، وقد شكلت عدة محطات تاريخية وسياسية صدمات استراتيجية كشفت عن إمكانية تقديم الولايات المتحدة لمصالحها الخاصة على حساب أمن حلفائها، ومنها غزو العراق عام 2003 والاتفاق النووي عام 2015 الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما مع إيران دون معالجة ملف الصواريخ البالستية أو التدخلات الإيرانية الإقليمية وغيرها من المواقف.
في المقابل لم تقف دول الخليج مكتوفة الأيدي، بل أعادت صياغة عقيدتها السياسية والأمنية بناءً على مبدأ تصفير المشاكل والاعتماد على الذات، واتخذت عدة خطوات لتحييد التداعيات السلبية لأي تقارب أميركي إيراني، وتوجهت نحو بناء تحالفات استراتيجية واقتصادية متينة مع قوى دولية صاعدة، كما سعت إلى تعميق العلاقات مع الصين وروسيا والانضمام إلى التكتلات الدولية مثل مجموعة بريكس وتعزيز الشراكات مع منظمة شنغهاي للتعاون، وتوطين الصناعات العسكرية وتعزيز التعاون الأمني والعسكري المشترك وتطوير القدرات الدفاعية الذاتية، كما يُمثل التقارب والتعاون الاستراتيجي بين السعودية وتركيا وباكستان خطوة عملية متقدمة لملء الفراغ الجيوسياسي الذي نتج عن تراجع موثوقية الحليف الأميركي، هذا الحلف يمنح منطقة الخليج العربي عمقًا عسكريًا وتكنولوجيًا وبشريًا يُسهم مباشرة في إحباط أي محاولات دولية لفرض توازنات إقليمية على حساب أمن دول الخليج العربية.


