محمد سليمان العنقري
ينشغل الكثير من رواد الأعمال والتنفيذيين في عالم المال والأعمال بالبحث عن وصفات النجاح بشكل كبير جداً ، وكذلك كيفية زيادة الإيرادات، ووضع خطط مبكرة بهدف التوسع في الأسواق لرفع الحصة السوقية لمنتجاتهم . لكن قد يغفل البعض عن التفكير بأسلوب مختلف جذرياً عن الثقافة السائدة لمن يديرون اعمالهم قد يكون أكثر فاعلية في تجنب التعثر المحتمل كونه حالة موجودة وواردة ، ويقوم هذا التفكير المختلف على طرح السؤال المعاكس: ما الذي يمكن أن يجعل أعمالنا تفشل؟
اي ما يعرف «بالتفكير العكسي» وهو أسلوب اشتهر به المستثمر «تشارلي مونغر» ، ويقوم على تغيير التفكير إلى اكتشاف التحديات، فبدلاً من البحث فقط عن الخطوات التي تقود إلى النجاح، يبدأ بتحديد الأسباب التي قد تقود إلى الفشل، ثم العمل على إزالتها قبل أن تتحول إلى أزمات.
تظهر أهمية هذا الأسلوب في أنه ينقل الإدارة من التعامل مع المشكلات بعد وقوعها إلى استباقها، وهي نقلة مهمة في بيئة أعمال تتغير فيها الأسواق بسرعة، وتزداد فيها المنافسة، ولا تكفي فيها جودة الفكرة وحدها لضمان نجاح المشروع.
فمثلاً، عندما يقرر رائد أعمال إطلاق مشروع جديد، ينصب تفكيره عادة على حجم الطلب المتوقع، والفرص المتاحة، والإيرادات المستهدفة. لكن التفكير العكسي يدعوه إلى افتراض أن المشروع فشل بعد عامين مثلاً ، ثم يسأل ما الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة؟ هل بالغنا في تقدير حجم السوق؟ هل كانت تكلفة اكتساب العملاء أعلى من قدرتنا؟ هل استنزف التوسع السيولة؟ وهل اعتمدنا على إيرادات متوقعة دون التأكد من وجود طلب مستدام؟
هذه الأسئلة قد تكشف ثغرات لا تظهر في دراسات الجدوى التقليدية، وتمنح صاحب المشروع فرصة لمعالجتها قبل ضخ الأموال والموارد، وينطبق الأمر ذاته على التنفيذيين في الشركات القائمة فبدلاً من الاكتفاء بوضع مستهدفات لنمو المبيعات والأرباح، يمكنهم التساؤل عما قد يؤدي إلى تراجع الهوامش رغم نمو الإيرادات، أو فقدان العملاء، أو ارتفاع المديونية، أو تراجع القدرة التنافسية فإذا بدأ بهذه التساؤلات يصبح التفكير العكسي أداة لتحسين القرارات وليس مجرد وسيلة لتجنب المخاطر.
وتزداد أهميته عند التوسع في الانتاج او الاسواق فكثير من الشركات لا تتعثر بسبب ضعف فرصها، بل بسبب التوسع السريع، أو سوء إدارة التدفقات النقدية، أو ضعف الأنظمة التشغيلية، أو الاعتماد المفرط على عميل أو مورد واحد لذلك فإن اختبار أسوأ السيناريوهات المعقولة قبل اتخاذ القرار قد يكون أهم من التركيز على أفضل التوقعات.
ولتحويل هذا الأسلوب إلى ممارسة حقيقية، يمكن للإدارة عقد جلسة دورية «ورشة عمل» تفترض فيها أن هدفاً استراتيجياً لم يتحقق، ثم تطلب من فريقها تحديد الأسباب المحتملة، وترتيبها بحسب أثرها، ووضع إجراءات تمنع حدوثها، مع تحديد مؤشرات إنذار مبكر لمراقبتها والأهم أن يكون النقد البناء ثقافة سائدة في بيئة العمل ، بحيث يستطيع الموظفون عرض المخاطر دون أن يُنظر إليهم باعتبارهم معرقلين للطموح.
التفكير العكسي لايعني التشاؤم أو تعطيل المبادرات، بل إنه يمنح الطموح أساساً أكثر قوة، ويجعل التفاؤل قائماً على فهم التحديات وليس تجاهلها فالشركات لاتنجح فقط لأنها تعرف أين تريد الوصول، بل لأنها تعرف أيضاً ما الذي قد يمنعها من الوصول، وكيف تستعد له قبل وقوعه ففي عالم الأعمال، قد لا يكون السؤال الأهم كيف نصنع النجاح؟ بل كيف نمنع الأسباب التي قد تقف حاجزاً امام الوصول له ؟

