: آخر تحديث

ماذا يريد الأردن من سوريا؟

6
9
4

تكرر خلال الأيام القليلة الماضية سؤال: ماذا يريد الأردن من سوريا؟ ولا سيما عقب الضربات الأردنية التي استهدفت مناطق في الجنوب السوري، وأسفرت عن سقوط نحو سبعة ضحايا، معظمهم من الأطفال، إضافة إلى سيدة ورجل. لكن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي العودة إلى سياق العلاقات السورية الأردنية منذ سقوط نظام الأسد، وفهم التحولات الأمنية والسياسية التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين.

يمكن القول إن الأردن كان أحد المفاتيح الأساسية في صياغة خارطة الطريق لسوريا الجديدة. فبعد سقوط النظام بستة أيام، وتحديدًا في 14 كانون الأول (ديسمبر) 2024، استضافت مدينة العقبة اجتماعًا ضم عدة دول في مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب الأردن ومصر والعراق وتركيا والولايات المتحدة الأميركية، بالإضافة إلى الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة. وشكّل الاجتماع محطة مهمة في رسم ملامح التعاطي الإقليمي والدولي مع السلطة الجديدة، على أساس تقديم الدعم اللازم لإنجاح المرحلة الانتقالية، ومساعدة سوريا على الخروج من حالة التفكك والفشل التي خلّفها الصراع، واستعادة موقعها دولةً قابلة للحياة ضمن محيطها الإقليمي المضطرب.

غير أن المسار الذي كان يُفترض أن يقود إلى استقرار سوريا واجه تحديات مبكرة، في مقدمتها التدخلات الإسرائيلية والتوغلات العسكرية التي بدأت مباشرة بعد سقوط النظام. فقد استهدفت إسرائيل الثكنات والمواقع العسكرية السورية، ودمّرت جانبًا واسعًا من القدرات العسكرية، بما فيها مخزونات الصواريخ والقذائف والطائرات المروحية والمقاتلات، حتى وإن كان بعضها يعود إلى طرازات قديمة.

وفي هذا السياق، تبرز الهواجس الأردنية حيال الأوضاع الأمنية في الجنوب السوري، خصوصًا مع استمرار التمدد الإسرائيلي. فقد ارتبطت المخاوف الأردنية، إلى جانب اعتبارات أخرى، بما يُعرف بمشروع ممر داود، الذي يُطرح بوصفه تصورًا لربط الجنوب السوري بالمناطق الشرقية، بما يتيح لإسرائيل الوصول إلى مناطق النفط ومصادره، ويقرّب نفوذها من الحدود التركية، مع إمكانية بناء علاقات تعاون مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد). إلا أن التحولات التي شهدها الملف السوري، ولا سيما التفاهمات الأميركية المتعلقة بإنهاء حالة الانفصال ودمج قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، أعادت رسم بعض ملامح هذا المشهد.

ولا تنحصر المخاوف الأردنية في هذه التطورات، بل تتصل أيضًا بالنهج الإسرائيلي القائم على تجاوز الحدود السياسية للدول وفرض وقائع ميدانية جديدة تحت مسمى الحدود الأمنية. وهو نهج لا يقتصر على سوريا، بل يمتد إلى جنوب لبنان، بما يثير مخاوف من أن تكون هذه السياسة جزءًا من استراتيجية توسعية تتجاوز حدود دولتين.

ويبرز الأمن المائي باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين. فقد باتت مصادر المياه التي تغذي الجنوب السوري والشمال الأردني، ولا سيما في حوض اليرموك وسد الوحدة، عرضة لمخاطر متزايدة بفعل التحركات الإسرائيلية. وقد عكس الملك عبد الله الثاني حجم القلق الأردني من هذا الملف في كلمته أمام مجلس الأمة الأردني يوم الاثنين 2 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، عندما كرر عبارة "المياه، ثم المياه، ثم المياه"، في إشارة واضحة إلى أولوية الأمن المائي في حسابات بلاده.

إلى جانب ذلك، يواجه الأردن تحديات أمنية مرتبطة بالجنوب السوري، من بينها تحركات بعض المجموعات المسلحة في السويداء، وما يُثار حول محاولات إعادة تنشيط تجارة الكبتاغون وتهريبه باتجاه الأراضي الأردنية. وفي المقابل، لا تزال العلاقة بين دمشق والسويداء تعاني من حالة جمود، في ظل غياب صيغة توافقية واضحة تعيد تنظيم العلاقة بين الطرفين، إداريًا وأمنيًا، بالرغم من المحاولات الأردنية والأميركية لإيجاد حلول للأزمة التي تفاقمت عقب أحداث تموز (يوليو) 2025.

وفي ظل هذه التعقيدات، تظهر بين الحين والآخر دعوات شعبوية تطالب السلطة في دمشق بتقليص علاقاتها مع الأردن أو تجميدها. لكن مثل هذه الطروحات تتجاهل حقيقة الجغرافيا والمصالح المتبادلة، فالأردن دولة جارة ترتبط بسوريا بحدود تمتد لنحو 375 كيلومترًا، فضلًا عن ملفات مشتركة تتعلق بالأمن والمياه والطاقة والتجارة.

وتتجلى هذه المصالح في واقع التعاون القائم بين البلدين؛ فالأردن يزوّد سوريا بأربعة ملايين متر مكعب من الغاز، بما يسهم في زيادة ساعات التغذية الكهربائية في المنطقة الجنوبية. كما يشكل تقاسم المياه ملفًا أساسيًا في العلاقة الثنائية، تنظمه اتفاقية موقعة عام 1987، حددت حقوق كل طرف وحصته من الموارد المائية المشتركة. وبذلك، فإن العلاقة بين البلدين لا تقوم على اعتبارات سياسية وأمنية فحسب، بل تستند أيضًا إلى شبكة من المصالح الحيوية التي يصعب تجاوزها أو التعامل معها بمنطق القطيعة.

ومن المهم هنا التذكير بأن آذار (مارس) 2025 شهد تأسيس غرفة استخباراتية مشتركة تضم سوريا والأردن والعراق ولبنان وتركيا والولايات المتحدة الأميركية، بهدف تعزيز التنسيق الأمني ومواجهة التحديات العابرة للحدود. وكان من المفترض أن تشكل هذه الآلية قناة فاعلة لمعالجة الهواجس الأمنية، وتبادل المعلومات، وتنسيق المواقف بين الأطراف المعنية، بدلاً من ترك الخلافات تتراكم أو الانتقال إلى إجراءات عسكرية قد تزيد المشهد تعقيدًا.

أعتقد أننا أمام لحظة تستدعي من دمشق وعمان تجاوز حالة التوتر الراهنة، وإعادة فتح صفحة جديدة في علاقاتهما، تقوم على تفاهمات واضحة وشفافة وموثقة، تتضمن التزامات متبادلة وآليات محددة للتنفيذ والمتابعة، مع وجود طرف ثالث يتولى رعاية هذه التفاهمات وضمان تطبيقها. ويمكن أن تضطلع المملكة العربية السعودية بدور أساسي في هذا المسار، إلى جانب الجمهورية التركية، وربما يشكل ما يُعرف بتحالف مكة إطارًا إقليميًا مناسبًا لرعاية تفاهمات من هذا النوع.

في المحصلة، ما يريده الأردن هو جنوب سوري آمن ومستقر، لا يشكل تهديدًا لأمنه الوطني أو لمصالحه الحيوية. لكن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يُلقى على عاتق دمشق وحدها، فالحضور السوري ليس العامل الوحيد المتحكم في معادلات الجنوب، في ظل التدخلات الإسرائيلية المستمرة وفرض الوقائع العسكرية على الأرض.

ففي أيلول (سبتمبر) الماضي، تحدثت تقارير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) عن تسجيل 280 توغلًا إسرائيليًا خلال شهر واحد، فضلًا عن اعتقال شبان وتجريف نحو 7600 دونم من الأراضي في المنطقة الجنوبية. وهي مؤشرات تعكس حجم التدخل الإسرائيلي واتساع نطاقه، وتكشف أن مصدر التهديد الأساسي للاستقرار لا يرتبط بالخلافات بين الدول العربية المتجاورة، بقدر ما يرتبط بالسياسات الإسرائيلية الرامية إلى فرض واقع أمني وجغرافي جديد.

من هنا، فإن مصلحة الأردن وسوريا تقتضي تنسيقًا مباشرًا ومسؤولًا، لا تبادلًا للاتهامات أو تصعيدًا متبادلًا. فالأمن في الجنوب السوري لا ينفصل عن الأمن الأردني، وأي مقاربة تتجاهل هذه الحقيقة ستترك المجال مفتوحًا أمام مزيد من التدخلات الخارجية، على حساب استقرار البلدين وسيادتهما.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.