: آخر تحديث

كيف خسر لبنان العرب وربحت إيران حزب الله

7
10
5

لم يكن الحوار الذي أجراه الإعلامي عمر الجريسي مع الكاتب السياسي السعودي عبد الرحمن الراشد في بودكاست سقراط مجرد قراءة في الحروب التي تخوضها المملكة العربية السعودية، بل كان تشريحًا هادئًا لواحدة من أخطر الظواهر التي عرفتها المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية: تحويل إيران دولًا عربية بكاملها إلى ساحات عسكرية، وشعوبها إلى رهائن، ومؤسساتها إلى أدوات في خدمة مشروع الحرس الثوري الإيراني.

ولعلّ أهم ما في حديث الراشد لم يكن توصيفه للخطر الإيراني، وهو خطر لطالما حذّر منه، بل إصراره على مقاربة هذا الخطر بعقلانية سياسية تفتقر إليها غالبية النخب العربية. فالراشد، بخلاف أصحاب الشعارات والانفعالات، لا يخلط بين الرغبة في السلام والاستسلام، ولا بين حسن النيّة والسذاجة، ولا يعتبر أن محاولة التفاهم مع إيران وأذرعها كانت خطأً بحدّ ذاتها. الخطأ، كما يُفهم من كلامه، هو الاستمرار في الاعتقاد بأن هذه التنظيمات يمكن استرضاؤها من دون تغيير طبيعة المشروع الذي أُنشئت لخدمته.

وفي هذا السياق، برز حزب الله بوصفه أكثر من مجرد ميليشيا لبنانية تدين بالولاء لطهران. فمن خلال حديث الراشد عن الحوثيين، وتدريبهم وتسليحهم وبناء أنفاقهم وأجهزتهم الأمنية، تتّضح الوظيفة الحقيقية التي اضطلع بها حزب الله على مدى سنوات: مستشار استراتيجي للإرهاب الإيراني، ومصدّر للخبرات العسكرية والأمنية التي راكمها على حساب الدولة اللبنانية، ووضعها في خدمة الحرس الثوري في مختلف الساحات العربية.

فالحزب الذي ادّعى أنه يقاتل لتحرير فلسطين لم يكتفِ بمصادرة قرار الحرب والسلم في لبنان، بل ساهم في بناء منظومات عسكرية خارج حدوده، من سوريا إلى العراق واليمن. ولم تكن هذه المغامرات تعبيرًا عن تضامن عربي أو إسلامي، بل جزءًا من شبكة إيرانية هدفها تطويق الدول العربية وابتزازها، وفي مقدّمها المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

والأخطر أن حزب الله لم يكتفِ بتنفيذ هذه السياسة، بل تحوّل إلى مدرسة لتعليم الميليشيات كيفية اختطاف الدول من الداخل، وكيفية استخدام المؤسسات الشرعية غطاءً للسلاح غير الشرعي، وكيفية تحويل المجتمع المحلي إلى درع بشري يحمي مشروعًا لا علاقة له بمصالحه الوطنية.

هنا تحديدًا تكمن المأساة اللبنانية التي ينبغي أن نفهمها قبل أن نطالب أشقاءنا العرب بفتح أبوابهم مجددًا أمام لبنان.

فالعلاقة بين لبنان والخليج لم تتدهور بسبب سوء تفاهم دبلوماسي، أو تصريح متسرّع لوزير، أو حملة إعلامية عابرة. لقد جرى تدميرها بصورة منهجية عندما سمح لبنان لحزب الله بأن يستخدم أراضيه ومؤسساته وغطاءه السياسي لخوض حروب إيران ضد الدول العربية.

ولم يكن مطلوبًا من اللبنانيين أن يحبّوا السياسات السعودية أو الخليجية، أو أن يتّفقوا معها في كل ملف. كان المطلوب ببساطة ألّا يتحوّل بلدهم إلى قاعدة لتدريب من يطلقون الصواريخ والمسيّرات على المدن والمنشآت العربية، وألّا يصبح جواز السفر اللبناني غطاءً لعمليات الحرس الثوري ومبعوثيه.

لقد دفع اللبنانيون ثمن هذه المغامرة من اقتصادهم وسمعتهم ومستقبل أبنائهم، فيما واصل حزب الله تقديم نفسه حاميًا للبنان من أخطار كان هو نفسه أحد أبرز أسبابها.

وما يجعل حديث عبد الرحمن الراشد مهمًا هو أنه يرفض، بهدوء لافت، الانجرار إلى شيطنة الشعوب أو اختزال الصراعات في هويات مذهبية. فهو يميّز بين الحوثيين بوصفهم مكوّنًا يمنيًا وبين المشروع العسكري الإيراني الذي تبنّوه، كما يميّز بين الدول التي يمكن التفاهم معها والميليشيات التي لا تملك استقلالية القرار.

وهذا التمييز ينبغي أن يكون درسًا للبنانيين. فالمشكلة ليست مع الشيعة اللبنانيين، ولا مع أي مكوّن اجتماعي، بل مع تنظيم مسلّح قرّر أن يكون وكيلًا للحرس الثوري بدلاً من أن يكون جزءًا من الدولة اللبنانية.

لكن هذه الحقيقة لا تعفي اللبنانيين الآخرين من مسؤولياتهم. فالقوى السياسية التي ساومت حزب الله، والحكومات التي اختبأت خلف عبارات "النأي بالنفس" و"الاستراتيجية الدفاعية"، والقيادات التي اعتبرت أن شراء الوقت سياسة وطنية، ساهمت جميعها في تكريس هذا الواقع.

ولذلك، فإن أي حديث عن استعادة العلاقات مع الخليج من دون معالجة مسألة سلاح حزب الله ليس سوى محاولة جديدة لبيع الوهم.

لا تحتاج المملكة العربية السعودية إلى المزيد من خطابات المحبّة اللبنانية، ولا إلى وفود سياسية تتنقّل بين بيروت والرياض لتؤكد عمق الروابط التاريخية. هذه الروابط معروفة، وقد أثبتتها عقود من الدعم والاستثمار والاحتضان الخليجي للبنانيين. ما تحتاجه المملكة، وما يحتاجه لبنان قبلها، هو دولة قادرة على ضمان ألّا تتحوّل أراضيها مجددًا إلى غرفة عمليات ضد جيرانها.

وقد يكون أكثر ما يستحق التوقّف عنده في حديث الراشد تأكيده أن حزب الله، بعد الضربات التي تلقّاها، لم يعد قادرًا على أداء وظيفته السابقة في مواجهة إسرائيل، لكنه لا يزال قادرًا على تخريب لبنان من الداخل. وهذه ملاحظة شديدة الأهمية، لأنها تكشف أن الخطر الحقيقي لم يعد محصورًا في الصواريخ الموجّهة إلى الخارج، بل في السلاح الذي يمكن استخدامه لإخضاع اللبنانيين ومنع قيام دولتهم.

فحزب الله الذي خسر الكثير من قدرته على تهديد إسرائيل لا يزال يحتفظ بقدرة خطيرة على تهديد لبنان. ومن يعتقد أن إضعافه عسكريًا سيقوده تلقائيًا إلى الاندماج في الدولة يتجاهل طبيعة التنظيم الذي بُني أصلًا ليكون أقوى من الدولة، لا جزءًا منها.

إن استعادة لبنان لموقعه العربي تتطلّب أكثر من انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق وعود بالإصلاح. إنها تتطلّب قرارًا سياسيًا واضحًا بإنهاء الدور العسكري والأمني لحزب الله، وتفكيك بنيته المسلحة، واستعادة الدولة احتكارها المشروع للسلاح وقرار الحرب والسلم.

ولا يعني ذلك التخلّص من طائفة أو إقصاء مواطنين، بل التخلّص من منظومة مسلّحة جعلت من لبنان أداة في مشروع إقليمي معادٍ لمصالحه.

لقد أثبتت التجربة أن استرضاء إيران ووكلائها لا يشتري السلام، بل يمنحهم الوقت لإعادة بناء قدراتهم والاستعداد للحرب التالية. وهذه، في جوهرها، خلاصة المقاربة الواقعية التي قدّمها عبد الرحمن الراشد، بعيدًا عن المزايدات والأوهام.

أما الدرس اللبناني، فهو أكثر إلحاحًا: لا يستطيع لبنان أن يطلب من العرب الثقة به فيما يرفض مواجهة التنظيم الذي ساهم في تهديد أمنهم.

والخيار اليوم ليس بين مواجهة حزب الله أو المحافظة على الاستقرار، بل بين استعادة الدولة أو الاستمرار في دفع ثمن الحروب التي يختارها الآخرون.

لن يعود لبنان إلى محيطه العربي ما دام حزب الله قادرًا على إخراجه منه كلما تلقّى أمرًا من طهران.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.