: آخر تحديث
كلام في السياسة

الشرق الأوسط أمام امتحان سيادة

6
9
4

مع إعلان فوز الديمقراطيين بأغلبية الكونغرس، يدخل دونالد ترامب مرحلة أشد تعقيدًا من رئاسته.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الشرق الأوسط يتجاوز هوية المنتصر الأميركي. هل تستثمر دول المنطقة ما تبقى من الوقت لبناء استقرارها، أم تنتظر جولة جديدة من التسويات التي قد تُعقد على حسابها؟

ومن المنطقي أن تطال تداعيات الانتخابات الأميركية دول المنطقة التي اعتادت أن تتأثر بتبدل الإدارات وتناقض أولوياتها.

صحيح أن خسارة الكونغرس ضربة سياسية للرئيس ترامب، لكنها ليست إعلانًا بانتهاء سلطته. فالرئيس يحتفظ بأدوات تنفيذية ودبلوماسية وعسكرية واسعة، بينما يستطيع الكونغرس التأثير من خلال التشريع والتمويل والرقابة. ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تحمل صراعًا على اتجاه السياسة الأميركية، بما يزيد صعوبة تقديم ضمانات مستقرة للحلفاء.

وهنا تكمن المشكلة بالنسبة إلى المنطقة. فالتعويل على رئيس أميركي بعينه يجعل الأمن والاستقرار ربما معلقًا بنتائج انتخابات لا تملك شعوب الشرق الأوسط التأثير فيها. ومن يربط مصيره ببقاء الجمهوريين، أو ينتظر خلاصه من عودة الديمقراطيين، يمنح الخارج قدرة متجددة على التحكم في خياراته.

أما الملف الإيراني، فهو الأكثر حساسية في هذا التحول. فمن المشروع القلق من أن يؤدي التفاوض إلى تقديم تنازلات اقتصادية لطهران دون معالجة كافية لتدخلاتها الإقليمية. لكن هذا القلق يصبح أكثر إقناعًا عندما يستند إلى قراءة دقيقة للتجربة السابقة.

غير أن هذا لا يلغي السؤال السياسي. هل يمكن لأي انفراج أن يمنح إيران هامشًا أوسع لدعم أذرعها المسلحة؟ هذا احتمال يستحق التحسب، لكنه لا يجعل كل تفاوض دعمًا مباشرًا للميليشيات، ولا يثبت أن الديمقراطيين يملكون خطة واحدة ثابتة للمنطقة.

المعيار الذي ينبغي أن تتمسك به الدول المتضررة واضح. أي تسوية تتناول البرنامج النووي، وتتجاهل السلاح خارج المؤسسات، وأمن الحدود والممرات البحرية، وسيادة الدول، قد تخفف أزمة دولية، وتترك أزمات الإقليم مفتوحة. وعندها تدفع المجتمعات المحلية ثمن اتفاق لم تشارك في صياغته.

وفي الملف العسكري، لا تكفي خسارة ترامب الانتخابية للجزم بأن أي تصعيد تجاه إيران سيكون محدودًا أو شكليًا. فقد يدفع الضغط الداخلي الرئيس إلى التهدئة، وقد يدفعه إلى التشدد لإثبات قدرته على المبادرة. كلا المسارين احتمال، ولا يصح بناء أمن المنطقة على توقع نفسي لسلوك شخص واحد.

وكذلك فإن اختلاف الحسابات بين واشنطن وتل أبيب، أو تقاطع مصالح أطراف متخاصمة في ملف معين، لا يثبت وجود غرفة مشتركة لإدارة المنطقة. التحليل الجاد يميز بين التقاطع العابر والتنسيق المثبت، ويبحث في النتائج العملية للسياسات بدلاً من الاكتفاء بتفسير كل تطور بمؤامرة شاملة.

بهذا المعنى، يمكن اختصار الخيار الاستراتيجي في اتجاهين. أن تبادر دول المنطقة إلى معالجة أزماتها وصياغة تسوياتها، أو أن تترك الأزمات تتراكم حتى تصبح مادة لتسويات يصوغها الآخرون. وبين الاتجاهين تفاصيل ومسارات متعددة، لكن كلفة التأجيل تبقى واضحة.

المشكلة ليست في أن يفوز الديمقراطيون، أو يخسر الجمهوريون. المشكلة أن يظل الشرق الأوسط عاجزًا عن حماية مصالحه كلما تبدلت الأغلبية في واشنطن. لذلك لا بد من التعامل مع الولايات المتحدة على أساس مصالح محددة وضمانات قابلة للاختبار.

قد تتغير الإدارة الأميركية، وقد تتبدل لغة الضغط والتفاوض، لكن الدول التي تملك قرارها السيادي تكون أقدر على مواجهة الاحتمالين. أما الدول التي تؤجل إصلاح نفسها انتظارًا لانتصار حليف خارجي، فإنها تمنح كل انتخابات أميركية فرصة جديدة لإعادة ترتيب مستقبلها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.