: آخر تحديث
كيف غيّرت الأمراض شكل العمران بآثار أعمق من الحروب:

المدينة التي تتنفس والمدينة التي تختنق

4
4
4

في صيف 1348، تكرّر المشهد في مدينة تلو الأخرى في أوروبا. جثث تُجمع من أمام الأبواب. شوارع خلت من البشر بسبب الخوف لا من حظر للتجول. حين انحسر الطاعون مخلّفًا 50 مليون ضحية في أوروبا، لم يُعِد الناجون بناء ما كان. لم يستطيعوا ذلك، فالمدينة التي أنتجت الوباء لم تعد جديرة بالثقة والرهان والاستثمار فيها من جديد. أعادوا اختراع مفهوم المدينة مرة أخرى، لتتحول إلى عنصر في منظومة الصحة العامة.

تعيد الأوبئة رسم المدن، بطريقة مختلفة عن الحروب
يقيس المؤرخون القوة التدميرية لأي حدث بقدر ما يُزيله. تُدمّر الحروب انتقائيًا، حيًا، ميناءً، معلمًا، لكنها تترك المنطق العمراني سليمًا في الغالب. المدن التي أعادت بناء نفسها بعد الحرب، درسدن، وفرانكفورت، وهيروشيما، أعادت رسم شوارعها على الأرض المنكوبة ذاتها. تمحو الحرب الحجر. ثم يعود الحجر.

تعمل الأوبئة بمنطق مختلف تمامًا. لا تمحو المدينة، بل تُبطل النموذج الذي أنتجها. الطاعون الأسود (Black Death) لم يُدمّر المدن الأوروبية فيزيائيًا، بل جعل تصميمها العمراني، كثافتها، وأزقتها، ومنطقها الاجتماعي، غير صالح (Obsolete). برز مفهوم الحجر الصحي (Quarantine) كأداة تخطيطية ومؤسسية جديدة كليًا. تُعيد الحرب رسم خريطة المدينة، ويعيد الوباء كتابة قانونها. وإعادة كتابة القانون أعمق أثرًا وأطول عمرًا.

ومن اللافت أن الطاعون لم ينتشر عشوائيًا، بل سلك طرق التجارة ذاتها التي ربطت المدن وأثرتها اقتصاديًا. في حصار كافا (Caffa) عام 1346، نقل المغول المرض مع حركة جيشهم حتى أدمى الغزاة قبل أن يطال المدينة. البنية التحتية للازدهار كانت بنية تحتية للوباء ذاتها.

الكثافة السكانية ليست المشكلة، الكثافة المخنوقة هي المشكلة
رسخت الأمراض المنتقلة عبر الهواء (Airborne Diseases) مبدأً بدأ مخططو اليوم في استيعابه: لا يكمن الخطر في الكثافة العمرانية، بل في الكثافة المخنوقة. في ثلاثينيات القرن الماضي، أجرى المهندس الصحي ويليام ويلز (William Wells) تجارب في أجنحة مستشفيات مصابة بالسل. النتيجة كانت صادمة في بساطتها: أجنحة متطابقة في كل شيء، المساحة، وعدد المرضى، وطبيعة المرض، لكن معدلات العدوى والتعافي تفاوتت تفاوتًا حادًا. المتغير الوحيد: معدل تجدد الهواء (Air Change Rate). الهواء الساكن يحتضن الفيروس ويمنحه عمرًا أطول. الهواء المتحرك يُبدده ويُخرجه إذا سمح له بذلك.

جاء التأكيد من هونغ كونغ عام 2003. في مجمع أموي غاردنز (Amoy Gardens)، أُصيب 321 ساكنًا في برج واحد. البرج المجاور، بالكثافة نفسها، وعلى بُعد أمتار، لم تُسجَّل فيه أي إصابة. الفارق: خلل تهوية محدد في منظومة الصرف والهواء. وثّقته منظمة الصحة العالمية. مسار الهواء في مبنى واحد حدّد المصير.

الدليل على مستوى المبنى واضح ومباشر. أما على مستوى المدينة، فالفيزياء ذاتها لكن الإثبات أصعب عزلًا. إدنبره القرن التاسع عشر تُقدّم الحالة الأوضح: مدينتان على الأرض ذاتها، قديمة مختنقة وجديدة جورجية (Georgian) مفتوحة، وحين ضربت الكوليرا كانت الوفيات في القديمة أضعاف نظيراتها في الجديدة، وإن تشابكت العوامل الاجتماعية مع العمرانية. هندسة الشارع بقيت المتغيّر الوحيد الذي كان بمقدور المخطط التأثير فيه مباشرةً. إذا كانت الكثافة متغيرًا في يد المخطط، فالتهوية هي المعامل الذي يحدد ما تُنتجه: مدينة مزدهرة أم مدينة مريضة.

البنية التحتية الخفية
في 1854، رسم الطبيب جون سنو (John Snow) خريطة وفيات الكوليرا في حي سوهو (Soho) بلندن وتتبّع خيوطها حتى مضخة مياه واحدة في شارع برود ستريت (Broad Street). لم يكن يمارس الطب فقط، بل كان يُعيد تعريف العلاقة بين الصحة والعمران. لم يكن مخترعًا للصرف الصحي، شبكاته سبقته من موهينجو دارو (Mohenjo-daro) إلى الكلواكا ماكسيما (Cloaca Maxima) الرومانية إلى قنوات المدن الإسلامية. ما اخترعه أعمق: اخترع الدليل الرابط بين فشل البنية التحتية ونمط الوفيات. شبكة بازالجيت (Bazalgette) التي اكتملت عام 1870 لم تكن الأولى في العالم، لكنها الأولى التي بُنيت لأن الخريطة أثبتت ضرورتها.

خريطة جون سنو، لندن 1854. كل نقطة حمراء جثة. كل رمز أزرق مضخة مياه. المسافة بين النقاط والمضخة المركزية في شارع برود ستريت هي المسافة بين الحدس والإثباتوهي المسافة ذاتها بين الرأي والمسؤولية القانونية. هذه الخريطة لم تنقذ حي سوهو فقطبنت شبكة الصرف الصحي الحديثة لكل مدينة في العالم

البنية التحتية الخفية تحدد الصحة المرئية للمدينة. المياه، والصرف، والهواء، ثلاثة من أهم مكونات الصحة العمرانية (Urban Health). يحظى اثنان بتخطيط دقيق وتشريع صارم. أما الثالث، الهواء، فلا يزال في معظم المدن نتيجةً عرضية لقرارات الكتل والارتفاعات.

هندسة الشارع كأداة صحية
لم تُنتج أي حرب في التاريخ الحديث ما أنتجته الكوليرا في باريس. في 17 عامًا بين 1853 و1870، هدم البارون هوسمان (Haussmann) أكثر من 60 بالمئة من نسيج باريس التاريخي وأعاد بناءه. البوليفاردات (Boulevards) العريضة المضاءة حلّت محل الأزقة المتعرجة المختنقة. الدوافع متعددة، سياسية، وعسكرية، وجمالية، لكن المبرر الذي أضفى على هذا التدمير الهائل شرعيته العامة كان صحيًا: المدينة المختنقة تقتل سكانها. هذه المعادلة صُدِّرت إلى كل مدينة كبرى في العالم كنموذج للتحديث العمراني.

ما يُعرف بـ"تأثير وادي الشارع" (Street Canyon Effect)، حيث تحبس المباني الشاهقة الملوثات ومسببات الأمراض عند مستوى المشاة، قابل للقياس والنمذجة والتصميم. يعرفه معظم المخططين كمشكلة تلوث. قليلون يدركون أن الهندسة ذاتها تُبقي مسببات الوباء القادم بنفس الكفاءة.

مفارقة العمارة الحديثة
لم يكن طراز العمارة الحديثة (Modern Architecture Style) بجدرانها البيضاء ونوافذها الكبيرة وأسطحها المسطحة مجرد اختيار جمالي. كانت في أصلها وصفة طبية. طوّرت مصحات السل الأوروبية منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر لغة معمارية محددة استجابةً لمشاكل الهواء الساكن: توجيه نحو الشمس، وشرفات للهواء الطلق، وأسطح خالية من الزخارف الحابسة للغبار. امتصّ رواد العمارة الحديثة هذه اللغة وحوّلوها إلى أسلوب عالمي. ما فعله ألفار آلتو (Alvar Aalto) في مصحة بايميو (Paimio Sanatorium) عام 1933 لم يكن اختراع هذا الأسلوب، بل إعادة ربطه بمنشئه الطبي في أرقى صياغة معمارية عرفها القرن العشرون.

لكن الإرث انقطع. الحركة المعمارية ذاتها التي استجابت لمرض ينتقل عبر الهواء خلقت، في غضون جيل واحد، الشروط المعمارية للوباء التالي: الجدار الزجاجي المحكم الإغلاق (Curtain Wall)، والتكييف الميكانيكي الحابس للهواء والناشر للأمراض التنفسية. دعم السل مبادئ العمارة الحديثة. أوجدت العمارة الحديثة متلازمة المبنى المريض (Sick Building Syndrome).

ثم جاء 1973. أدت أزمة النفط إلى قرار بدا معقولًا: إذا كان تكييف الهواء النقي مكلفًا، فلنُعِد تدوير الهواء الداخلي، أي الهواء الذي تم تنفّسه وخرج في صورة زفير بكل ما يحتويه من فيروسات وبكتيريا وميكروبات! رسّخ معيار ASHRAE 62 هذا الحل في قوانين البناء العالمية. تحوّل إجراء اقتصادي طارئ إلى ممارسة مهنية دائمة.

ذاكرة عمرانية لم تُهجر بلا سبب
قبل 1973 بآلاف السنين، كان البنّاؤون يُدمجون ذكاء التهوية الطبيعية في التخطيط العمراني مباشرةً، لا لترف جمالي، بل استجابةً لمناخ لا يرحم. الملقف يعمل بفيزياء الضغط التفاضلي (Differential Pressure): يسحب الهواء الخارجي الأبرد ويدفع الساخن للخروج، دون طاقة ودون ضجيج. الأفنية في نجد تُحرّك الهواء بتأثير المدخنة (Stack Effect). الرواشين في جدة التاريخية تُحقق التهوية العابرة (Cross Ventilation). الشارع الضيق المظلل كان أداةً هوائية لا قصورًا في التخطيط. والحارة كانت وحدة تنفس حضرية متكاملة.

هذه الأشكال لم تُثبت مباشرةً تحسين نتائج الأوبئة، الأدلة التاريخية المقارنة نادرة وصعبة العزل. لكنها أثبتت ما هو أهم للمخطط: أنها تُحرّك الهواء وتمنع ركوده. وهذه بالضبط الشروط التي تُقلّص قدرة الفيروسات المحمولة جوًا على البقاء والانتشار، وفق ما أثبته ويلز. تنقل المدينة العربية التقليدية الإنسان عبر انتقال تدريجي، شارع مشمس، ورواق مظلل، وسوق مسقوف، وفناء، ثم غرفة. المدينة الحديثة اختزلت هذا إلى ثنائية: داخل مُكيَّف كليًا أو خارج غير قابل للاستخدام. التدرج بين الداخل والخارج (Indoor-Outdoor Gradient) ليس عنصرًا تراثيًا، إنه عنصر صحي قابل للتطبيق على أي نطاق معاصر.

المملكة في مواجهة الفرصة
مناخ المملكة يجعل هذه المبادئ أكثر إلحاحًا من أي مكان آخر. العواصف الرملية تُرسّب جزيئات دقيقة تُعيق الترشيح الميكانيكي وتُثقل المراوح وتُدمّرها عند الإهمال. الحرارة الشديدة تجعل التعرض المطوّل للخارج خطرًا دون تصميم ذكي. تُولّد أنماط الرطوبة والجفاف المتباينة بين جدة والرياض مخاطر تنفسية مختلفة لم تُعايَر المعايير الدولية لمستويات الحِمل القصوى التي يفرضها هذا المناخ. المدن في المناخ القاسي تحتاج استراتيجية تهوية على المستوى التخطيطي لتقليل الاعتماد على التكييف الميكانيكي المكلف والمستهلك الكبير للطاقة.

هنا يبرز مفهوم ممرات التهوية الحضرية (Urban Ventilation Corridors)، مسارات هوائية مُخططة عبر النسيج العمراني تُصان من عوائق المباني الشاهقة. شتوتغارت تحميها بتشريع ملزم يقوم على خرائط تشغيلية دقيقة لمسارات الهواء منذ السبعينيات. هونغ كونغ أطلقت إطار تقييم التهوية الحضرية (AVA) عام 2006 مباشرةً بعد السارس، ملزِمةً المشاريع الكبرى بنمذجة حاسوبية لحركة الهواء كشرط للموافقة التخطيطية. المبدأ واحد: الهواء ليس نتيجة عرضية للتصميم، بل بنية تحتية حضرية تُقاس وتُدار وتُحمى. المشاريع الكبرى التي تتطور في بلادنا اليوم فرصة لريادة هذا التوجه.

كوفيد-19، التقييم لا الاستثناء
كان كوفيد-19 تحديًا اجتازته المملكة باقتدار. لكن السؤال يبقى: كيف يمكن لتخطيط المدن وتصميم المكتب والسوق والمدرسة أن يُقلّص أثر وباء تنفسي قادم؟ الاستعداد للأوبئة ليس مسألة سعة مستشفيات فقط، هو مسألة تقسيم مناطق وكثافة وتهوية وهندسة شوارع وفراغات عامة. المستشفى خط الدفاع الأخير. المدينة خط الدفاع الأول.

تتمتع المملكة بموقع نادر: مدن تُصمَّم من الصفر. القرارات التخطيطية التي تُتخذ الآن ستحدد كيف يتنفس ملايين البشر طوال القرن القادم. حمى الله بلادنا.

لكن المدينة نصف الحل. النصف الآخر أقرب مما تتخيّل، فوق رؤوسنا الآن. خلف فتحة التهوية الشبكية (Grill) في السقف قناة (Duct). خلف القناة فلتر. وخلف الفلتر سلسلة من الافتراضات الهندسية تُقرر ما تستنشقه في كل لحظة. في المقال القادم، ندخل إلى داخل المبنى، ونتجاوز الشبكة، وندخل القناة، ونسأل: هل ما يحمينا حقيقي؟ أم أنه محاولة للحماية؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.