: آخر تحديث

حسن عبد الله... الموت الذي يسبق الرحيل

21
21
16
مواضيع ذات صلة

من الناس من يموت قبل أن يرحل. يركب قطار العمر البطيء، يعرف المحطة التي سوف يترجل منها إلى عالم الخلود، في حين أن مسافراً آخر "يتركها على الله"، لا يعرف أين ومتى سوف تتوقف الدواليب، ولا يريد أن يعرف. كان الشاعر اللبناني حسن عبد الله من هذه الطبقة الأخيرة من الناس. عاش سنواته الأخيرة، مقعداً على كرسي يتنفس الهواء الاصطناعي، بمعونة شقيقة حنون، كانت تسهر عليه، وتأخذه إلى الأماكن التي اعتاد أن يجلس فيها في "الحمراء"، أو إلى تلك المقاهي "المشلوحة" على ذلك الكورنيش الطويل المحاذي لبحر بيروت. صورته الأخيرة كانت مثل شمعة على وشك أن تنطفأ. وإذ آت على ذكره الآن، وأنا على بعد ألوف الأميال من رقاده الأخير في قريته التي في الجنوب، أتذكر قصيدة الشموع للشاعر اليوناني الإسكندراني قسطنطين كفافيس: "أيامنا الماضية شموع صغيرة مطفأة باهتة منحنية، أخشى النظر إليها لأن منظرها يحزنني". أعرف حق المعرفة ان مشاعر من هذا النوع، كان تراود نفس حسن عبد الله، ونفس كل شاعر مرهف حساس، عاش في بلد كان بهياً وأخضر وجميلا، فإذا هو قد تداعى على يد جلاديه، وتحول إلى واحد من أسوا البلدان في العالم.

في "الحمراء"، قبل سنوات سبع، كان لقاؤنا الأول، في مجلس صديقنا عصام العبد الله، وهذا رحل وترك فراغاً ما زلنا إلى اليوم نشعر به كلما جلسنا في مقاهي تلك المنطقة من بيروت، وها هي هوة الفراغ تتوسع بغياب الحبيب حسن، وسوف تتوسع قطعا، كلما سقط غصن من شجرة الأحبة. وعلى ذكر "الحمراء" هذه، نتذكر، أنه كان بين هذه المنطقة وبين "عباد الله" من شعراء الجنوب (محمد وعصام وحسن) علاقة عضوية، أشبه بحبل سرة لا ينقطع إلا بانقطاع الروح. أكتب عن الأخير منهم، بلغة لا أريد فيها تجوداً وتنميقاً، خشية أن اخون عهدي معه، ولما كان بيني وبينه من نظرات متباينة في شؤون السياسة والدين والتاريخ، لكن والحق يشهد، إني كنت أحبه وأجله واحترمه، ولا أعرف أحدا من الذين عرفه وجالسه إلا أحبه واحترمه، وسكنت روحه إلى روحه. طيبا مثل طفل صغير كان، حسن العشرة والأحدوثة، مع وفاء نادر للناس والأمكنة، ومن هذه كانت "الحمراء" المذكورة، هذه التي لم يخنها يوما. أما سيرته فكانت بسيطة عطرة، حرة وممتازة. لم تفتنه الألقاب، ولم تخلبه المظاهر، وما أكثرها في بلاد المظاهر، ولم يسع يوماً إلى الشهرة، مثل بعض الشعراء الذين لا تستقيم القصيدة عندهم، إلا إذا رافقتها الأبواق والطبول والمزامير، وكان صاحبنا أبعد ما يكون عن ذلك كله.

كان حسن عبد الله عاشقا للشعر، القديم منه بنوع خاص، متيماً بالمتنبي. وقد يكون أنه حفظ معظم شعر أبي الطيب أو كله، ولا أذكر أن ذكر أحد من الجلساء شيئا من شعر المتنبي، ونسي منه شيئا، إلا وسأل عنه حسن. كان في صوته وهندامه ومشيته وجلسته وطريقته في التدخين، شيء من الغرابة، لا أدري كيف اصفها، خيالات من صورة نمطية عن شعراء مقاهي الزمن القديم، في احياء بيروت القديمة، والقاهرة القديمة، وبغداد القديمة، طبعة نادرة من كتاب عتيق، تسقط صفحاته من حياتنا يوما بعد يوم، لكنها تبقى عالقة في أذهاننا، وموصولة بحياتنا الأرضية.

كنت أخاصمه الخصام اللذيذ، وكان هو يعرف ذلك عني ويقبله بود صاف ومحبة خالصة، ولا يسعني الآن، وبعد أن فرًقت بيننا يد المنًية، إلا ان أقول له ما سبق وقاله له الصديق عقل العويط: اغفر لي يا حسن. لا أقولها لأحاسب نفسي عن ذنب اقترفته بحق هذا الصديق الجميل، وهيهات أن كان هذا يوماً في بالي وباله على أي حال، وإنما لأرضي نفسي، بضرب من التشفع، ألجأ إليه كلما فقدت أصدقاء أو أقرباء كانت لهم في قلبي مكانة خاصة، وأعتقد أن هذا الشعور، يراود كل الذين عرفوا الراحل حسن في لبنان وغير لبنان من بلاد العرب.

كان حسن عبد الله شاعرا عن حق، يعرف أصول الشعر، تراكيبه وبحوره. لم أقرأه شاعراً بما فيه الكفاية، وأحكم عليه بمعرفتي الشخصية به، وبما قرأت له من قطع ونتف وشذرات نشرها في غير صحيفة ومجلة وموقع ومكان. ذات يوم وجد هذا الشاعر أن القلم، وكان سلاحه الوحيد مذ كان صبيا يافعاً، لم يكن يكفيه كأداة للتعبير عن أوجاعه وأشواقه، فكانت الريشة، يداعب بها القماشة، فتتوالد من ثناياها صور تلال وأشجار وجداول وأعشاب وأكمة ملونة، كأنه كان يخاطب الناظرين ويقول لهم: هذي قريتي أيها الحاضرون، مشتاق لها أنا وعندي لوعة. كان تقليديا في كل شيء، وفي الوقت عينه، شغوفا بما قد يراه جديداً في دنيا المعارف. أحياناً كان يطلع بنظرات ونظريات لا تخطر على بال، ويبهرنا بما كان يقرأ في التاريخ والعلوم، مفتوناً بالكون مثل طفل صغير يحاول ان يفك لغز ألعابه، وكثيرا ما شغلته قضايا المصير، وتلك المسائل الكونية والوجودية التي تقض المضاجع، ولا نجد لها حلولا أو تفسيراً مقنعاً، لا في الكتب ولا في السير ولا في التراجم، ولا في التأمل، ولا حتى فيما هو "مقدس"، وتبقى تشغلنا إلى اليوم الأخير. لم يلجأ صاحبنا إلى الحاسوب ليكتب الشعر والنثر، وبقي القلم رفيقه الدائم، لكنه هام بالريشة هيامه بالقلم، إلى درجة حملته على أن يقيم لصوره معرضاً في "دار الندوة"، تسنى لي حضوره، ووجدت أن ما حفل به من صور الطبيعة، كان صورة عن ذاته، وتعبيراً واضحاً بسيطاً هادئاً عن علاقته بأرض، وعن طفولة ما زالت مرتبطة بتلك الأرض، وما في تربتها من عشب وثمر وزهر، وما في فضائها من فراشات وطيور.

لم يكن لحسن عبد الله بنين وبنات، وأمضى العمر عازبا مترفعا عن الدنايا، قاضياً مرحلته الأخيرة في بيت متواضع من حي متواضع في منطقة رأس بيروت، ومؤثراً أن يتبنى بشعره، أطفالاً كثر أحبوا قصصه وقصائده، وحفظوها عن ظهر قلب، ومنها "أنا الألف"، التي لحنها الراحل وليد غلميًة، ورددت كلماتها وألحانها حناجر أعمار مختلفة، على امتداد العالم العربي كله. كان حسن عبد الله في أدب الأطفال مجلياً، وفي الشعر مجلياً، أما في الحياة الواقعة، فكان إنسانا رقيقا طيبا ودوداً، خصال لا يعرفها حق المعرفة، ولا يقدرها إلا من عرفه من كثب، وأحبه حباً صافياً جميلاً، كصفاء نفسه وجمال روحه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.