: آخر تحديث

فردوس الأيام

17
16
15

جنة السماء فراديسها، وجنة الأرض بساتينها، وجنة الأيام أعيادها.
للزمان كما للمكان بهجته، بهجةٌ تستشعرها الأرواح النقية، والقلوب الرضية، وأي بهجة تعدل بهجة الأعياد؟!

ما زال الإنسان من قديم الأزل يتشبث بمواسم الفرح، ويبتكر منها ما يخفف عنه وطأة التعب.. إنه يلوذ من عنف أيامه بحرمة أعياده، ولذا ظلت الأعياد تحافظ على مكانتها في اعتقاد البشر بمختلف مشاربهم.
لولا هذه الأعياد لاعترانا جفاف الشعور، بدا على وجوهنا شحوب الحياة، فكيف وهي أعياد أمرنا الله فيها بالفرح، ونبذ الترح.
وها نحن بعد طول ارتقاب يهل علينا العيد، وتنهمر الرحمات، ويفرح المؤمنون، وتمتلئ جيوب أطفالنا بالحلوى، وتشرق وجوههم بالبسمات.
وفي الجهة الأخرى من الفرح يطوف حجيج الرحمن بالبيت العتيق، يرتدون البياض ويرتديهم، وينهلون من النور، وينهل منهم، ويعود بهم الزمان إلى الوراء ليعودوا كيوم ولدتهم أمهاتهم.
 


في مثل هذا اليوم انهمرت رحمات المولى سبحانه على أبينا الخليل، وها هي تنهمر الآن علينا بالرحمات والمسرات.

اليوم هو يوم الحمد.. يوم سمع الله لمن حمده، بثيابنا البيض، وقلوبنا الأشد بياضا.. لا فرق بين عربيٍّ ولا أعجميٍّ إلا بالتقوى.

اليوم يوم التراحم، وصلة الأرحام، وتفقد الأهل والأحباب.. ثمة إخوةٌ لنا بين ظهرانينا تؤلمهم الحياة، وتكدر صفوهم إما بعَوَزٍ أو فَقْد.. هذا اليوم يومهم، يوم السؤال عن أحوالهم.. يوم تفقد المحتاج منهم، ومساندة من مالت به الظروف، يوم الكتف بالكتف، واليد باليد، والشفاه على الجباه.
اليوم .. يوم رسم البسمات على الوجوه المتعبة، ويوم كفكفة الدموع عن الأعين الغاصة بالدمع، ويوم إماطة الأذى عن كل طريقٍ يؤدي إلى القلوب.
هناك أخواتٌ لنا في كل بيت، لكلّ منهن ظروفها، تفقدوهن بالمحبة والطيبة والمعاونة..
لا تنتظروا منهن السؤال، فهن عزيزات نفس، كريمات يد، رفيعات خُلق، بل بادروهن بالعطاء والحنان، واعرفوا حقهن عليكم، وقدرهن لديكم..
فوالله لا عماد للبيوت دونهن.. 
هن الأصول ونحن الفروع.
وهن الجذوع ونحن الظلال..
هن الينابيع في بِيدِ الظمأ، والأغاريد في دنيا الصَّخَب.
فكروا بالأيتام والمسنين،تفقدوا من تقطعت بهم السبل،خذوا من زينة الدنيا ما يبهج صدورهم،ويخفف عنهم، ويفتح أفئدتهم المغلقة، انشروا الفرحة هناك على قدر ما تستطيعون، واستشعروا نعمة الله عليكم، فوالله لا نُرحم إلا بهم.
اجعلوا العيد صفحةً بيضاء ناصحة..وصِلُوا من قطعكم أو ساءت علاقتكم به.
ابتسموا في وجه العابسين، وجودوا بالعفو على المقصرين، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين.
من كان منكم والداه على قيد الحياة فيا سعده ويا بشراه.. فرصة أن يغمرهما بالبر والفرح ليغمراه برضا يغمره توفيقا وطمأنينة، ويا بؤس من عق والديه أو حتى قَصَّر دون عقوق.. سيندم يوم لا ينفع الندم ..
بل سيفوته الخير الكثير، والأجر الكبير، والرزق الوفير.
إن أحسنا إليك فقبل يديهما مرة لأنهما أعاناك على البر، وإن قَصَّرا فقبل يديهما مرتين لأنهما ضاعفا لك الأجر ببرك لهما رغم قليل ما قدماه لك.
قدم لهما أضعاف ما تقدم لغيرهما ولو كانا في غنى قارون، وعفاف هارون..
يفرح الوالدان باهتمام ابنهما أكثر من فرحهما بعطاياه.. نعم يتقبلان العطايا بفرح، لكنه فرح ناجم عن شعورهما باهتمام ابنهما بهما.
اجعل من العيد عيدًا لمن حولك، عيدًا بوجودك وببسمتك، وبحسن تعاملك وصحبتك.
انشر الفرح على من حولك، ولا تنسَ أن تدس في جيب كل طفلٍ عيدية، أو قطعة حلوى فهم والله بهجة العيد، ومهما نسي الطفل من دنياه وحكاياه فإنه لا ينسى أبدًا تلك الوجوه الباسمة التي أغدقت عليه الحب والحنان في هيئة حلوى، أو وريقات نقدية، أو دمية ولعبة.
كلّ منّا عاش طفولته، بل ويتذكر أعياده الأولى كما يتذكر أول يوم له في المدرسة.. أعيادنا الأولى هي محطات الوقود التي تَزَوَّدْنا منها طاقة الفرح.. طاقة عُمر ممتد سنعبر بها قفار الحياة بكل مباهجها ومتاعبها.
العيد مبضع جراح يواسي ندوب العام، ويستأصل أورام الترح، ونستعيد فيه السعد، ونجني منه الورد.
ما العيد .. لولا ابتسامات الوجوه، وعناق القلوب للقلوب، وغناء العيون للعيون؟!
 قفلة:
أي معنى للعيد إن لم يعد علينا وإلينا ويحط أفراحه لدينا، ونقدم له وفيه ما يجب؟!
وأي تعاسة تلك التي تحل بمن طرق العيد بابه، فلم يُحسِن وِفادَتَه، وأساء ضيافَتَه، فخرج من عنده مُقْسِمًا ألا يعود بالسعود؟!
العيد ليس سوى نفحة عُلْوية هبت علينا من عِلِّيِّين لتمنح الأرواح نداوة، والأيام طراوة، والحياة حلاوة.
اللهم أَدِمْ علينا الإسعاد، ووالِ علينا الأعياد، واقسم لنا منها أفراحاً ممتدة نتفيأ ظلالها سائر الأيام.
وكل عيد وأنتم أفراحه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي