: آخر تحديث

البطريق الأصفر..

20
15
16
مواضيع ذات صلة

قبل أيّام قليلة فارطة تواصل معي صديقٌ عزيز؛ مُعَلِّقًا على اكتشاف طريف تمثّل في اكتشاف وجود بطريق باللونين الأصفر والأبيض، التقطته عدسةُ المصوِّر البلجيكي إيف آدامز، وهو خبرٌ تلقفته وسائل الأنباء، وحضر في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تناوله الآخرون من زوايا مختلفة؛ بحسب الاختصاصات والميول والدوافع، وأنوي تناوله من زاوية مختلفة؛ فيما أرى؛ فقد ربط ذلك الصديقُ هذا الاكتشافَ بحوارٍ قديم بعض الشيء، ناقشنا فيه خطأ التعميم؛ تعليقًا على مثال كارل بوبر الشهير في كتابه (منطق البحث العلمي)

في مجمل ردِّه ورفضه لمنهج الاستقراء والنتائج التي يخرج بها ذلك الاستقراء التي تقود إلى تعميم مبالغ فيه أورد كارل بوبر مثاله الشهير الخفيف، الذي يرى من خلاله أنّنا مهما شاهدنا من أعداد هائلة كثيرة لبجع أبيض فإنّ ذلك لا يجيز لنا القول: إنَّ كلَّ البجع أبيض اللون.. وحضور هذا البطريق الأصفر اللون بيَّن متانة تحفُّظات كارل بوبر؛ فيمكن قياس البجع على البطريق قياساً جليًّا، وليس المهم هذا الشاهد وحده؛ بل المهمّ هو سحب ذلك المنهج، وذلك المشروع النقدي، واستيعابه في منطق البحث العلمي؛ بل وفي مجمل ما نراه ونحكم عليه، وما يجب أن يدفعنا إليه ذلك من رشدٍ في إطلاق الأحكام، وتقليص لدوائر التعميمات، التي مازلنا نبرع في  شقِّها وتوسيعها... وما ورد وقيل وحدث في سياق ذلك البطريق الأصفر، يمكن أن ينسحب، أو يُسْحَب على بجعات كارل بوبر؛ فقد يكون فيها لونٌ مختلف عن اللون الأبيض السائد فيها؛ خلافًا لما ظنّه، ويظنّه السائرون في مجال التعميم والاختزال!

في ثقافتنا العربية التي نلمسها حتى في دوائر البحث العلمي نرى ونسمع كثيرًا من الأحكام والتعميمات التي تصل بنا لحكم جاهز معلَّب على شعوب، وثقافات؛ فقد نلمس أنّنا نرى الشعب الإنجليزي بخيلا وجافًّا، وقد نخلع شيئًا من القبول والرضا على الشعب الأمريكي فنصفه بالشعب الاجتماعي المنفتح. ولو سبرنا أحكامنا الخليجية والسعودية على مجمل الشعوب، ومنها الشعوب العربية والإسلامية لوجدنا أحكامًا على المصريين وأهل الشام والشرق الأقصى والأدنى، ومنهم مَن يبادلنا تلك الأحكام والتعميمات والتصنيفات؛ فهل تسمح لنا مكوِّناتنا المعرفية بإصدار كلِّ تلك الأحكام المعمَّمة!؟

التعميم جهل فاضح، وقد يكون التعميم هروبًا من مواجهة الذات ومشكلاتها؛ فهل اكتملت مجتمعاتنا وتماسكت إلى ذلك الحدّ الذي يجيز لنا إطلاق تلك الأحكام الجائرة المختزلة!؟

الخبرة المرتبطة بالملاحظة تبقى موطن تقدير؛ لكنّها تبقى قضيّة شخصيّة، وليست نتيجة كليّة يمكن لنا اقتراحها باعتبارها صورة منطقيّة مقبولة؛ فما مدى أهميّة المنهج الاستقرائي للعلم؟

الاستقراء انتقال من قضايا شخصيّة جزئية تقود إلى تعميم؛ عبر الملاحظات والتجارب، وتصل لوضع فروض ونظريات، يجري -تاليًا- مساءلتها واختبارها واستفزازها، وقد يصمد بعضها أمام اختبارات شاقّة وتفصيليّة، وهناك -دائمًا- حاجة للعلم تميّزه عن خيال الشعراء الخلّاق، وإبداع عقولهم، ويبقى كلُّ كشفٍ جديد خلّاق يحتوي عنصرًا لاعقليًّا، من خلال حدس مبدع خلّاق، وربما يكون الإبداع الخلّاق أوسع من تأطيرات العلم ومناهجه الصلبة!

وأخيرًا..

هل سيجود لنا الزمن ببجعة صفراء تقابل ذلك البطريق الأصفر؟

وماذا أعددنا للمستقبل وبجعته الصفراء؟!

التنبّؤ بما يحمله المستقبل ضرورة للحضور فيه؛ فضلًا عن الرغبة بالسيطرة والنفوذ!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي