: آخر تحديث

خمس وصايا من فراش الموت!

6
7
4

حسين الراوي

في عام 2012، لم تكتب الممرضة الأسترالية بروني وير (Bronnie Ware) كتابها «أهم خمسة أشياء يندم عليها المرء عند موته» لتضيف عنواناً جديداً إلى رفوف التنمية البشرية، بل دوّنت ما سمعته همساً من أفواهٍ كانت تودّع الحياة.

كانت تلك الاعترافات تأتي بلا تزيين، بلا خوف، وبلا حاجة إلى المجاملة.

حين يقترب الإنسان من النهاية، يسقط كل شيء... ولا يبقى سوى الحقيقة.

ومن بين مئات الأصوات المتعبة، تكررت خمسة نداءات، كأنها وصايا متأخرة، لا للموتى، بل للأحياء.

1 - ليتني عشت حياتي كما أردتُ أنا.

في اللحظة الأخيرة، يدرك الإنسان كم مرة خذل نفسه كي يُرضي الآخرين.

كم حلماً دفنه لأنه لم يكن «مناسباً»، وكم طريقاً لم يسلكه لأنه خاف من النظرة والكلمة والحكم. «أخطر ما يمكن أن يعيشه الإنسان، أن يعيش حياة ليست له».

الندم هنا ليس على الفشل، بل على الخيانة الهادئة للذات، تلك التي لا تُحدث ضجيجاً، لكنها تترك فراغاً لا يُملأ.

2 - ليتني لم أعمل إلى هذا الحد.

كان العمل دائماً ذريعة نبيلة: من أجل المستقبل، من أجل الأمان، من أجل العائلة. لكن في نهاية الطريق، لم يتذكر أحد ساعات المكتب، بل تذكّر وجوهاً غابت، وأياماً لم تُعش، وأعماراً مرّت دون أن تُلمَس. «نحن نضيّع أعمارنا لنكسب لقمة العيش، ثم نضيّع صحتنا لنستعيد ما خسرناه»، العمل جزء من الحياة، لكنه لا يجب أن يكون كُلها.

3 - ليتني امتلكت شجاعة البوح.

كم كلمة حُب لم تُقل، وكم اعتذار تأخر، وكم وجع اختبأ خلف الصمت.

كان الخوف من المواجهة أكبر من الرغبة في الصدق، فخُنقت المشاعر، وتصلّبت القلوب. «ما لا نقوله يتحوّل مع الوقت إلى حملٍ ثقيل في الروح».

الصدق ليس قسوة، بل هو خلاص، والبوح المتأخر لا يُنقذ إلا الذكرى.

4 - ليتني حافظت على أصدقائي.

في زحمة الأيام، نؤجّل اللقاءات، ونؤخر المكالمات، ونعتقد أن الصداقة لا تحتاج إلى عناية. لكن الوحدة في النهاية تكشف الحقيقة: لا شيء يعوّض دفء الرفقة القديمة. «الأصدقاء هم الذاكرة التي لا تخون». يخسر الإنسان أشياء كثيرة في حياته، لكن خسارة الأصدقاء هي الخسارة التي لا تعوّض.

5 - ليتني سمحت لنفسي أن أكون سعيداً.

ربما كان هذا الندم الأكثر إيلاماً.

أن يكتشف الإنسان أن السعادة لم تكن بعيدة، بل مؤجلة بلا سبب، مؤطرة بالخوف والعادة وانتظار «الوقت المناسب». «السعادة ليست حدثاً كبيراً، بل هي إذن داخلي»، كثيرون عاشوا عمرهم وهم يؤجلون الفرح، حتى اكتشفوا أن العمر نفسه كان هو الفرصة.

في النهاية... كتاب بروني وير، ليس عن الموت، بل عن الاستيقاظ المتأخر.

هو رسالة تقول لنا بهدوء: لا تنتظر النهاية لتكون صادقاً، ولا تجعل الندم أكثر وضوحاً من الحياة نفسها. وأيضاً أرادت بروني، أن توصل لنا أننا لا نندم على ما فقدناه، بل على الحياة التي كان يمكن أن نعيشها، ولم نفعل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد