خالد بن حمد المالك
لا يكفي الرئيس ترمب ليفوز حزبه، أن يتهم الديمقراطيين بالتزوير، ولا أن ينسب الخسارة لأنه لم يقترع، ولا أن يكون التدخل الإيراني بالانتخابات سبباً كما يقول، فهذه الأعذار عوّدنا عليها الرئيس من خلال تناقضاته، ومن اختراعه لأسباب الفشل خارج عقول العقلاء.
* *
الهزيمة المدوِّية للحزب الجمهوري، لها من الأسباب ما لم يقله الرئيس، فقد كشفت عن إدارة ترمب لأمريكا من البيت الأبيض بما لا يتفق مع إرادة الشعب، وأن سياسته قد ألقت بظلالها على غير ما اعتادت عليه أمريكا وشعبها.
* *
فخلافات ترمب مع حلفائه الأوروبيين، ومع الدول المجاورة لأمريكا سبب، ومواقفه مع إسرائيل سبب، وليونة في مواقفه مع الحوثيين الإرهابيين سبب، وكذلك موقفه السلبي من الاعتداءات على المملكة ودول الخليج من ضمن الأسباب في خسارة الجمهوريين الموجعة.
* *
من الأسباب أيضاً موقفه من الحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتأثر الشعب الأمريكي من سياسته في ارتفاع الأسعار، والحرب الإيرانية، وأداؤه الإعلامي اليومي المتواضع غير المقنع في مخاطبة المواطن الأمريكي والعالم بمعلومات متناقضة ومضللة.
* *
سيواجه الرئيس صعوبات في النصف المتبقي من فترته بالبيت الأبيض، وربما فقد الكثير من التسهيلات التي كان يتمتع بها إبان الفترة الأولى من رئاسته الثانية لأمريكا، حين كان الحزب الجمهوري يسيطر على المجلسين، وقد هدَّد بعد إعلان النتائج بأنه سوف يستخدم حقه في الفيتو إذا ما تعارضت سياسته مع نفوذ الحزب الديمقراطي.
* *
وفي نظري أن من بين أسباب الخسارة، العلاقة التي جمعت ترمب بنتنياهو، فقد ابتز الأخير أمريكا، وحصل على دعمها غير المسبوق من السلاح والمال، والمواقف السياسية، وكان ذلك على حساب معيشة الأمريكيين، ودافعي الضرائب.
* *
أضيف إلى ذلك -ضمن أسباب كثيرة- أن تدخل الرئيس ترمب بالانتخابات الإسرائيلية، دعماً لنتنياهو ليكمل معه المشوار، وإعلانه بأنه دون تدخله، كان نتنياهو سيواجه هزيمة ساحقة، فضلاً عن تعامله مع محكمة الجنايات، وإصدار عقوبات بحق القضاة فيها لإدانتهم لنتنياهو بأنه مجرم حرب، وكذلك مطالبته للرئيس الإسرائيلي ليعفو عن نتنياهو الذي يُنتظر سجنه على الرشاوي والفساد.
* *
الخسارة كانت متوقعة، ولكن ليس بهذه الفروقات الكبيرة، وقد سبقها تدني شعبية الرئيس ترمب نفسه، وأكبر خطأ حين يتعامل الرئيس مع هذه النتائج بالتعالي، وعدم إعطائها الأهمية التي تستحقها، أو حين ينحو نحو ابتعاده عن التعايش معها لصالح أمريكا والعالم.
* *
لكن الأهم، أن يستفيد الرئيس من هذا الدرس، وأن نرى لأمريكا وجهاً آخر فيما تبقى له من فترة رئاسته، تكون أمريكا غير التي عرفناها، عدلاً في مواقفها، وتصحيحاً لسياساتها، ومراجعة لقراراتها، ودون ذلك، فإن المتاعب القادمة سوف تلاحقه، وستكون مؤثِّرة، أمنياً واقتصادياً على مستوى العالم.
* *
العالم يحتاج إلى الأمن، وإلى اقتصاد قوي، وشراكات وتفاهمات بين الدول، فالسلام لا يقوم على احتلال دول كما فعلت أمريكا باحتلالها لفنزويلا، والسلام لا يتحقق باحتلال دولة لأراضي دول تجاورها في الحدود، كما فعلت إسرائيل في لبنان وسوريا، بدعم أمريكي واضح.
* *
خريطة السياسة الأمريكية يجب تعديلها، وملفات المصالح الأمريكية يجب أن يُعاد النظر فيها، والحزب الديمقراطي عليه مسؤولية التغيير القادم، لا أن يكون التغيير في الوجوه فقط، وبالقبعة الزرقاء بدلاً من القبعة الحمراء.

