: آخر تحديث

«اللبنانان».. وزمن ترامب - نتنياهو

6
9
4

خاض بنيامين نتنياهو سباق الانتخابات وكأنما هو رمز بطولة حرب اقترفها وخرج منها منتصراً، علماً بأن ما اقترفه كان عبارة عن عدوان متعدد الأوجه والظروف، وخاض جولات العدوان هذه بالحد الأدنى من التكافؤ. ونقول ذلك على أساس أن الذي حدث كان عدوان جيش استخدم الطائرات المقاتلة والقنابل على أنواعها، ودمَّر المنازل والمشافي والمدارس والمساجد والكنائس حيث هي في مدن وبلدات قطاع غزة. وإلى ذلك، فإنه استمتع بتجويع الناس، بمن في ذلك كبار السن والأطفال، وشمل الاستمتاع استهداف الشبان قتلاً أو سجناً كي لا يصبحوا، عندما يجيء الحق ويزهق الباطل، مقاتلين أشداء ضد الإسرائيلي المستقوي بالمساندة الأميركية سياسياً، وبالسلاح من كل نوع، وبمعارضة أي إدانات أممية للسلوك الإسرائيلي سياسياً وحربياً. والأمثلة على هذه المعارضة كثيرة، سواء في جلسات مجلس الأمن أو في محكمة العدل الدولية.

كما أن الاستهداف شمل الأسرى بتعطيب خصوبتهم، والنساء والحوامل بإرهابهن، فيتم الإجهاض، وبذلك لا يولد المزيد من الأطفال الذين سيصبحون مع مرور الزمن أشداء في المقاومة وأرقاماً عندما تُجرى الانتخابات وتحدث مفاجأة تتجاوز من حيث الأهمية فوز اللوائح العربية في الانتخابات البرلمانية. وهذا من شأنه، في حال التوافق الفلسطيني بمنأى عن الخلافات، أن يجعل التمثيل العربي في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) أكثر شأناً.

مناسبة ما نقوله أن بنيامين نتنياهو بحزبه (الليكود) وحلفائه الأكثر توحشاً في نظرتهم تجاه عرب فلسطين، من غزة إلى أريحا إلى الخليل، وإلى لبنان، خاض السباق الانتخابي وكأنه بطل، مع أنه حوَّل الشعب اليهودي إلى مغضوب عليه ومحذور منه وغير مغفور له في نظر شعوب كثيرة، لأنه لم يتصرف بشمائل إنسانية عندما كان يشاهد على مدى ثلاث سنوات أبشع أنواع الاعتداء والتجويع في حق شعب لا يملك من الردع سوى التحمل والصبر الجميل.

وما يدعو إلى الاستغراب أن الشعب اليهودي مثقف عموماً، ولا بد، بموجب هذه السمة، أن يقف وقفة كوقفة عشرات الألوف من الذين تظاهروا في عواصم أوروبية وأمام جامعات أميركية احتجاجاً على الذي كان يتواصل حدوثه، إلى أن دخل الرئيس دونالد ترامب على خط إيجاد الحل وأنتج ما سُميت «مبادرة السلام»، وجمع لها مئات الملايين لكي يعيد ما دمره نتنياهو طوال ثلاث سنوات، وأغرى الغزاويين الذين باتوا في العراء ثم في خيم لا علاج فيها لما أصاب الألوف من أمراض. لكن لم يتحقق من المبادرة سوى مئات الملايين من الدولارات باتت في عهدة ترامب، كما لم يتحقق السلام المنشود. وكان أمراً مهيناً في حق الشعب اليهودي أنه في اليوم الذي جرت فيه الانتخابات كان التهجير والتدمير يأخذان مداهما في مدن وبلدات في الضفة الغربية، وكان أطفال غزة ما زالوا حاملين الأواني يتسابقون من أجل الحصول على بعض الطعام. وأما الأحوال في الجنوب اللبناني فإنها كانت مأساوية.

لقد كان من واجب المواطن اليهودي ألّا يقترع لمصلحة نتنياهو، وبذلك يكون مثل سائر الذين أكثروا في دول أوروبية من الاحتجاجات ضده، جزاء ما اقترفه هو وجيشه طوال ثلاث سنوات. وكان الاقتراف يتواصل حتى في يوم الانتخاب، وهذا معناه أنه لا جدوى من تطبيع بعض العرب معه، خصوصاً أنه وظَّف هذا التطبيع لمصلحة بقائه رئيساً لحكومة ما بعد حسم أمر الانتخابات. بل يمكن القول إن حالات التطبيع التي تمت حفَّزت نتنياهو على أن يواصل عدوانه على غزة وألّا يعترض على المستوطنين الذين هم أسوأ أنواع الميليشيات الرسمية.

ماذا بعد هذا الذي حدث وما قد يتواصل حدوثه في حال استقرت اللعبة الانتخابية على أن يعود نتنياهو رئيساً وحليفاً للرئيس ترامب الذي شجع نتنياهو على متعة إرهاب العرب الفلسطينيين، حتى الذين يحملون الجنسية اليهودية؟ هنا رؤية إسرائيلية حافظ مضمونها على الموضوعية والمشاعر الإنسانية. ففي عدد يوم الخميس 20 تشرين الثاني 2011، وبقلم أفي يسخروف في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، وردت العبارات الآتية: «إن نتنياهو وشركاءه لا يريدون تقوية السلطة الفلسطينية لأن ذلك سيجعل مطلب إقامة دولة فلسطينية أكثر واقعية. لا يمكن تجاهل الإرهاب اليهودي في المناطق، وأي كلمة أخرى ستكون تجميلاً للواقع هناك. نحن أمام إرهاب برعاية دولة». ويخلص المقال إلى أن «الإرهاب في الضفة يسرِّع الانتفاضة الثالثة».

خلاصة القول إن واجب أولي الأمر السياسي والحزبي في لبنان وضميرهم يفرضان عليهم التأمل بشكل أكثر رحابة في الذي جرى انتخابياً في إسرائيل، وما قد يماثله في الانتخابات الأميركية، وكذلك في مسلسل التحديات المتبادلة وسط ذلك بين الرئيس ترامب والنظام الإيراني. وربما يحقق التأمل وقفة وطنية من «اللبنانين» خالية من التحديات في زمن ترامب – نتنياهو، وبذلك تتحقق مقولة «كلنا للوطن»، ولا مجال للاعبين والمتلاعبين.

... وفي الهداية السلامة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.