: آخر تحديث

آخناتون... الفرعون الموحد!

8
11
6

ما من شك في أن الملك آخناتون هو أحد أعظم فراعنة مصر، وفيلسوف العالم القديم، وربما كان ثاني من نادى بالتوحيد بعد أبيه، الملك أمنحوتب الثالث! لقد وصف آخناتون الإله الخالق في أنشودته قائلاً: «يا خالق الجنين في المرأة، ومنبت البذرة في الرجل، ومسكن الجنين في بطن أمه ومطعمه وهو في الرحم، يا واهب النفس لتحيا ما خلقت... يا إلهي الواحد، لا شريك لك».

ترك آخناتون مدينة طيبة، مركز كهنة آمون، وذهب إلى أرض بكر لم يسكنها بشر، ولم يُعبد فيها إله من قبل، وهي التي أطلق عليها اسم «أخت آتون»، وتعني «أفق آتون»، وشيَّد فيها المعابد للإله الواحد. وحول مدينته المطهَّرة من عبادة الآلهة المتعددة. أقام آخناتون ما يُعرف باسم «لوحات الحدود»، وهي نقوش على أحجار عملاقة تُحدد حدود مدينته الفاضلة. والغريب في نقوش تلك اللوحات أن آخناتون يقسم بأنه لن يغادر مدينته تلك إلى أي مكان! إنها تجربة غريبة ومثيرة في التاريخ القديم، وليس فقط في تاريخ مصر الفرعونية.

وهناك مئات الرسائل العلمية التي تناولت حياة هذا الملك وفلسفته، وإلى يومنا هذا لا يزال النقاش حوله محتدماً بشدة، على الرغم من وفاته منذ أكثر من 3 آلاف سنة. فمنهم من يراه أحد أنبياء الله عز وجل، ومنهم مَن يراه فيلسوفاً، وآخرون يرونه رجلاً مجنوناً مفتوناً بالدين! بل هناك مَن شكك في دور آخناتون نفسه، قائلين إن زوجته، الملكة الجميلة نفرتيتي، هي التي كانت المحرك الرئيسي لتلك الديانة الأتونية الجديدة في مصر.

لم يكن مجرد دين جديد يظهر في مصر ويدعو إليه الفرعون نفسه! لقد كان ثورة في كل شيء، وعلى كل شيء! حاول الفن مسايرة الدين الجديد، فتصدرت اللوحات الدينية التي تصور العائلة الملكية وهي تتعبد للإله آتون، الممثَّل في قرص الشمس والأشعة التي تنتهي بأيدٍ بشرية تمنح علامات «العنخ» التي تعني «الحياة»، كل أركان المدينة.

وشُيِّدت المعابد المفتوحة للنور والحقيقة للناس، ووصف آخناتون نفسه بأنه العائش في الحقيقة. ولكي يؤكد ذلك، رأينا، وللمرة الأولى، العائلة الملكية تُصوَّر على الجدران في مشاهد صادمة جداً، لا يمكن أن يتخيل العلماء وجودها في زمن الفراعنة! لقد تم تصوير العائلة الملكية وهي تنتحب لوفاة إحدى الأميرات، كما تم تصوير الفرعون وزوجته وهما يداعبان بناتهما الأميرات، بل تم تصوير إحدى الأميرات وهي تلتهم بطة مشوية! وظهرت أيضاً مناظر لتوزيع الهدايا على الموظفين، وكذلك تماثيل غريبة الشكل للملك آخناتون نفسه، تصوره بجسد نحيف من أعلى وأفخاذ غليظة! ترجمها البعض بأنها تصوير لمرض عضوي، وقال البعض إنها تجسيد لفكرة الإله الذكر والأنثى معاً، وذلك من دون دليل يؤيد هذا أو ذاك.

انغمس آخناتون في حياته، وكأن مدينته الجديدة قد صارت هي كل دولته، بل كل عالمه. أهمل كل شؤون مصر، فانهارت، أو فلنقل ساءت الأوضاع الاقتصادية، واضطربت الأوضاع الأمنية والسياسية خارج حدود مصر، نظراً لمنع الفرعون الجيش من الخروج خارج الحدود، وهو الأمر الذي كان يحفظ أمن وأمان الشرق الأدنى القديم، ويمنع صراع الدول المحيطة بعضها ببعض. لقد تم العثور على الأرشيف الدبلوماسي الخاص بالرسائل الواردة إلى مصر من جيرانها، والمكتوبة بالخط المسماري، ويُعرف باسم «خطابات العمارنة»، وهو كنز من المعلومات لا يزال العلماء ينهلون منه، ولذلك سنفرد لرسائل العمارنة عدداً من المقالات المقبلة بإذن الله.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد