: آخر تحديث

كليلة «مروان سلامة»!

6
9
3

يعتبر كتاب «كليلة ودمنة» أحد أشهر وأهم الذخائر الأدبية في التاريخ الإنساني، وهو عبارة عن مجموعة من الحكايات والقصص الخرافية والأخلاقية على لسان الحيوانات والطيور، ويهدف إلى تقديم الحكمة والعبرة والمشورة السياسية والاجتماعية بأسلوب رمزي وممتع. وكانت بعض قصصه مقررة علينا في مرحلة دراسية، ونحن صغار.

يعود أصل الكتاب إلى الهند، وعنوانه «البنش اتنترا»، أو الفصول الخمسة، وكتبه الفيلسوف الهندي بيدبا باللغة السنسكريتية للملك دبشليم، وذلك للتعبير عن الحكمة والمشورة السياسيّة والأخلاقية بشكل غير مباشر.

تُرجم الكتاب قبل 1500 عام تقريباً إلى الفارسيّة، بأمر الشاه أنوشروان، الذي أرسل طبيبه الخاص إلى الهند لنسخ الكتاب وترجمته إلى اللغة البهلوية، وهي الاسم القديم للغة الفارسية، والذي اتخذه رضا خان، والد الشاه الأخير، لقباً لأسرته، عندما عيّن نفسه إمبراطوراً عام 1925، وورّث الدولة واللقب، بعد وفاته، لابنه محمد، ليأتي الخميني ويقضي على الأسطورة الزائفة.

وفي العصر العباسي، قام الأديب العربي عبدالله بن المقفع بترجمته من البهلوية إلى العربية، وأضاف إليه بعض الأبواب، وصاغ الترجمة بأسلوب أدبي عربي رفيع، ويُعتقد أن الترجمات العالمية كلها كانت من النص العربي.

يعتمد كتاب «كليلة ودمنة» على الرمزية؛ حيث تجري الحوارات بين الحيوانات لتجسيد طبائع البشر وسياسات الملوك والعلاقات الاجتماعية، فالأسد يمثل الملك أو الحاكم صاحب السلطة، أما كليلة ودمنة فهما اسمان لثعلبين، ويمثلان الحاشية والوزراء والمستشارين، الأول يرمز للعقل والحكمة والقناعة، والثاني يرمز للطموح الجشع والمكر، أما بقية الحيوانات فتمثّل الرعية والطبقات المختلفة من المجتمع.

كان غرض المؤلف تقديم مجموعة نصائح حول السياسة، الإدارة، الصداقة، الخديعة، وكيفية التعامل مع السلطة دون إثارة غضب الملوك. و«كليلة ودمنة» تعتبر أبرز قصص الكتاب، عن علاقة الصداقة بين الأسد والثور، ما أثار ضغينة «دمنة»، أو الثعلب، وسعى إلى المكر، حتى أقنع الأسد بأن الثور يخطط للغدر به، وأقنع الثور بأن الأسد يريد قتله. ينتهي الأمر بمواجهة يقتل فيها الأسدُ الثورَ، ليكتشف كذب دمنة ويحاكم ويقتل. والعبرة: طاعة أهل النميمة والمكر تدمر أقوى الصداقات وتجلب الندم.

وهناك قصة القرد والنجار الشهيرة، التي اطلعنا عليها، ونحن صغار، من خلال رسوم كاريكاتيرية، وكيف دفع الفضول القرد، وهو يشاهد كيف يعمل النجار، فما أن ذهب قام بتقليده، فجلس على الخشبة ودلى ذنبه في الشق وجذب الوتد، فأطبق عشقا الخشبة على ذيله وانحبس حتى جاء النجار، وأطلق سراحه، لكن ليس قبل ضربه، لكي يتعلّم عدم التدخل في ما لا يعنيه.

* * *

صديقنا مروان أحمد سلامة، الخبير الاقتصادي، وزميلنا في القبس، تفتق ذهنه الخصب بقصص المال والأعمال، وقام بتأليف كتاب ونشره باللغة الإنكليزية، بعنوان «From Rags To Rags» أو «من الفقر إلى الفقر»، ذكر في مقدمته: يمكن النظر إلى «الأدغال»، بمعناها المجازي، على أنها غابات استوائية كثيفة، أو سهول عشبية، أو حتى «غابات خرسانية»، كما في المدن الكبرى، وتشترك جميعها في كونها ساحةً لمنافسةٍ محتدمة بين مختلف الأطراف، من أجل البقاء، الذي يولد غالباً القسوة وانعدام الرحمة.

يسعى سلامة في «حكايات الأدغال» هذه إلى استكشاف هذه الظاهرة عبر القصص الرمزية، والأمثال، والأسلوب الساخر، في محاكاة عصرية دامية لكتاب كليلة ودمنة، والصراع الوجودي الأبدي بين الوحوش الكاسرة، آكلة اللحوم، وبين الحيوانات النباتية، وحاجة كل طرف منهما للآخر، بالرغم من العداوة الرهيبة التي بينهما.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد