: آخر تحديث

والداي... أكرهكما!

7
10
5

سارة النومس

يقول البعض إن الإنسان الذي يكثر الضحك هو أكثر الناس بؤساً وتعاسة. جميعنا نعاني مشكلات حياتية، ولا شيء جديداً في عالم الإنسان، لكن طريقة التعامل مع تلك المشكلات هي ما يحدد مدى نضجه أو سطحيته وقدرته على مواجهة الحياة والبحث عن الحلول المناسبة. أحياناً تنتج العزلة إنساناً جديداً بحياة مختلفة وقرارات أكثر استقلالية، وأحياناً أخرى تقود صاحبها إلى الاكتئاب.

كان ماثيو بيري، أحد أبرز نجوم مسلسل «الأصدقاء»، من أكثر شخصيات العمل خفة ظل وحضوراً، حتى إن كثيرين اعتبروه الشخصية المفضلة بين الأبطال الستة. وقد صرّح في أكثر من مناسبة بأن شخصية «تشاندلر» تحمل الكثير من ملامحه الحقيقية، وهو ما دفع صحافيين وباحثين وأطباء نفسيين إلى دراسة حياته وتأثير الطفولة المضطربة والعلاقات الأسرية المعقدة على مستقبله. حرص ماثيو بيري، على إضحاك الناس، واعترف بنفسه أن روح الدعابة كانت وسيلته للهروب من الألم والشعور بالوحدة. وعلى الرغم من نجاحه الكبير، عانى لسنوات طويلة من الإدمان ومشكلاته النفسية والصحية، إلى أن توفي عام 2023 في حادثة أثارت كثيراً من التساؤلات حول الثمن الذي قد يدفعه البعض خلف الابتسامات التي يظهرونها للآخرين.

ألا يذكركم ذلك بشخصية أخرى؟ روبن ويليامز، أحد أشهر الممثلين الكوميديين في الولايات المتحدة، والذي لمع نجمه منذ ثمانينات القرن الماضي. صرّح مراراً بأن إسعاد الناس كان يمنحه إحساساً بالأمان والقبول. وعلى الرغم من موهبته الاستثنائية في الأدوار الدرامية والكوميدية، فقد خاض صراعات طويلة مع الإدمان والاكتئاب، كما عانى في سنواته الأخيرة من مرض عصبي أثر بشكل كبير على حالته النفسية. ومع تراكم تلك الظروف، أنهى روبن ويليامز حياته عام 2014 عن عمر ناهز الثالثة والستين.

وعلى الرغم من أن هاتين الشخصيتين عانتا ظروفاً صعبة، سواء بسبب طفولة مضطربة أو تفكك أسري أو مشكلات نفسية معقدة، فإن ذلك لا يعني أن كل من مر بالتجارب نفسها ستكون نهايته مشابهة. فهناك شخصيات عديدة أصفها بالقوية رفضت أن تكون ضحية لظروفها، وبنت لنفسها مستقبلاً صلباً، وأقسمت على تأسيس أسرة مترابطة وجميلة، حتى وإن واجهت صعوبات الحياة المتكررة. أدركت أن الماضي قد يفسر بعض الجراح، لكنه لا يجب أن يتحول إلى حكم نهائي على المستقبل.

في المقابل، تبرز اليوم شخصية أراها تتكرر وتنتشر بشكل لافت، وهي شخصية الضحية. وقد ساهم بعض المهتمين بما يُعرف بعلم الطاقة أو برامج تطوير الذات في تشجيع الناس على العودة المستمرة إلى ماضيهم والبحث عن الجروح والصدمات القديمة باعتبار أن الاعتراف بها ومواجهتها هو الطريق إلى الشفاء.

لذلك، يظهر البعض فجأة معلنين أنهم ضحايا عنف أسري أو بيئة قاسية أو طفولة تعيسة، وأنهم تحدوا الصعوبات حتى يحققوا النجاح. وانتشار هذه الروايات لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح أكثر وعياً، بل إن الإنسان المعاصر أدرك أيضاً أن القصة المؤثرة قادرة على جذب الانتباه واستحواذ الإعجاب والتفاعل.

وقد وصل الأمر أحياناً إلى توجيه الاتهام لكل أم أو أب وبّخ طفله أو عاقبه بهدف التربية، وتصويرهم كمجرمين يستحقون العقاب، وأن عليهم الاعتذار عن كل ما فعلوه في الماضي. لكن قبل أن ننشغل بمحاكمة الآخرين، ربما يجدر بكل شخص أن يسأل نفسه: منذ أن بدأت أعي الحياة، كم شخصاً ظلمته بكلمة أو معاملة؟ كم زميل دراسة تنمرت عليه؟ كم معلماً سخرت من ملابسه التي يرتديها كل يوم؟ كم عاملة منزلية مارست سلطتي عليها؟ أو صديقة اغتبتها في غيابها؟ لا يكاد يخلو إنسان من لحظة أساء فيها إلى شخص آخر، حتى وإن ندم لاحقاً على ما فعل.

فالسيئون ليسوا بالضرورة الآباء والأمهات فقط. نكتب ونتحدث كثيراً عن الأسر المفككة والأم المقصرة والأب المقصر، لكننا في المقابل نرفض أحياناً الاعتراف بأخطاء الآخرين أو أخطائنا الشخصية. والأخطر من ذلك أن بعض الأصوات تحاول تعزيز الكراهية تجاه الوالدين عبر نبش أحداث الماضي ونشرها على الملأ طلباً للتعاطف أو سعياً وراء الشهرة والتفاعل. وهؤلاء، إن كانوا فعلاً ناجحين ومؤثرين، لكان بإمكانهم الوصول إلى الناس بإنجازاتهم وأفكارهم دون تحويل أكثر العلاقات حساسية في حياة الإنسان، علاقة الأب والأم بأبنائهما، إلى مادة للاستهلاك العاطفي وكسب الإعجاب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد