يعتبر الحليب، إلى جانب صناعة الأجبان، مادة رئيسية تدخل في عدد هائل من الصناعات الغذائية، التجميلية، الكيميائية، والصناعية، بخلاف صناعة اللبن واللبنة والزبد والقشدة، والحليب المكثف والمحلى والمجفف، وفي صناعة الحلويات، الشوكولاتة، والآيس كريم والمثلجات، والمخبوزات، والصلصات البيضاء، والصابون الفاخر، ومواد بلاستيكية، والتلوين، وصناعة الأزرار، ودبابيس الشعر، وإطار النظارات، وحتى في تحسين تربة بعض النباتات، وفي المكملات الغذائية والرياضية. كما أنه المصدر الأهم للكالسيوم، لبناء العظام، ومنع هشاشته، خاصة للأطفال والرياضيين، وكبار السن.
لكن لماذا يختلف حجم استهلاك الحليب بشكل كبير من دولة لأخرى؟
يستهلك الفرد في شمالي أوروبا مئات الليترات سنوياً، مقابل معدلات منخفضة جداً في شرقي آسيا، والسبب:
1. صعوبة تحمل معدة مليارات البشر لمادة اللاكتوز في الحليب. فمن خلال «الطفرة الجينية»، تبين أن البشر يُولدون جميعاً بـ«إنزيم اللاكتيز»، الخاص بهضم سكر الحليب، ومنع آثاره الجانبية، وذلك خلال فترة الرضاعة، وتتراجع نسبته تدريجياً بعد الفطام. ففي مجتمعات أوروبا وشمالي أفريقيا والشرق الأوسط التي اعتمدت على الرعي قديماً، تطورت طفرة جينية (نظرية دارون) تجعل الجسد يستمر في إنتاج اللاكتيز طوال العمر. لكن ما يقارب الـ95% من شعوب شرقي آسيا لا يزالون يعانون من عدم تحمل اللاكتوز، لأن الجسم يتوقف عن إنتاجه، بعد الفطام.
2. الموروث الثقافي والغذائي، حيث يُمثل الحليب ومشتقاته ركيزة المطبخ اليومي. أما في شرقي آسيا، فحليب الصويا ومشروبات النباتات الأخرى هي البديل التاريخي الثقافي.
3. تتطلب تربية أبقار الحليب مراعي خضراء ومناخاً معتدلاً أو بارداً ورطباً، وهذا لا يتوافر بما يكفي في المجتمعات الآسيوية، والمجتمعات التي ركزت على رعي الإبل والأغنام، بدلاً من تربية الأبقار، كما حدث في المجتمعات الغربية، بشكل عام.
4. العوامل الاقتصادية والتصنيعية. فالحليب سريع التلف؛ لذا يتطلب استهلاكه طازجاً توافر شبكات تبريد وتصنيع متطورة ونقل سريع، وهو لا يتوافر بسهولة في دول كثيرة، خاصة الفقيرة.
* * *
بدأ الإنسان متأخراً في استهلاك الحليب، مع حدوث التغيير في ذوقه، على الرغم من أنه لم يكن بمقدوره هضمه بسهولة. كما أن الحيوانات التي كان يمكن الحصول منها على الحليب بانتظام لم تكن مستأنسةً بعد. فمتى حدث هذا التغيير، ولماذا؟
لا الزمان ولا المكان اللذان بدأ فيهما البشر شرب حليب الأبقار، معروفان، لكن هناك بعض المحطات البارزة. فقبل 12000 سنة، بدأ البشر في المناطق الجبلية المحيطة بتركيا الحالية في التحول من نمط حياة الصيد والجمع إلى مجتمعات زراعية. وتطلب ذلك وتبعه استئناس الحيوانات، بدءاً بالأغنام والماعز.
هل كان البالغون يشربون أيضاً حليب الأبقار الطازج؟ بناءً على الأنماط الجينية البشرية، يرجح الباحثون حدوث ذلك. فقد بدأت طفرات جينية، تُعرف بـ«استمرار إنتاج اللاكتاز» lactase persistence في الظهور قبل نحو 8000 عام، مما مكّن البالغين من هضم اللاكتوز؛ ومن المرجح أن هذه الطفرات ظهرت لأن بعض المجموعات البشرية كانت تستهلك الحليب الطازج بالفعل. وقد انتشرت هذه الطفرات بشكل أسرع في شمالي أوروبا، حيث كانت مواسم الزراعة القصيرة تجعل من الحليب مصدراً منتظماً وموثوقاً للسعرات الحرارية والبروتين والترطيب. لقد أنتجت الأبقار، على وجه الخصوص، كميات أكبر مقارنة بغيرها من الحيوانات المستأنسة؛ كما أن الحليب في المناطق ذات المناخات الأكثر برودة كان يظل طازجاً وصالحاً للشرب لفترة أطول مما كانت عليه الحال في المناطق الأكثر دفئاً. كما نجد أن المجموعات البشرية التي كانت تستهلك كميات كبيرة من الحليب تميزت غالباً بقامة أطول ووزن أكبر، كما أن الأفراد القادرين على هضم اللاكتوز كانوا أكثر قدرة على النجاة خلال فترات المجاعة.
أحمد الصراف

