لفت انتباهي خلال هذه الايام العمل الدرامي «طالع نازل»، الذي يعرض حالياً على منصة (شاهد) ليس لأن فكرته جديدة، فالخيانة الزوجية والانتقام من أكثر الموضوعات استهلاكاً في الدراما، وإنما لأن السيناريو استطاع، خلال ثماني حلقات شاهدتها، أن يقدم معالجة نفسية مشوقة، تكشف جانباً مخيفاً من طبيعة الإنسان عندما يتحول الحب إلى جرح عميق في الكبرياء.
المسلسل الذي تؤدي بطولته منى زكي أمام محمد شاهين، لا يقدم مجرد حكاية امرأة اكتشفت خيانة زوجها بزواجه بالسر من حبيبته الأولى فقررت الانتقام منه، وإنما يأخذنا إلى عالم نفسي معقد، تصبح فيه الرغبة في الانتقام أقوى من الحب نفسه، ويتحول الألم العاطفي إلى تخطيط بارد، قد لا يكتفي بإيذاء من تسبب فيه، بل يمتد إلى كل ما يحيط به.
واللافت في العمل توظيف التقنية ضمن أدوات الانتقام التي تلجأ إليها الشخصية التي تقدمها منى زكي، فلم تعد المواجهة بين الزوجين محصورة في الكلمات والمواقف التقليدية، وإنما أصبحت الوسائل التقنية جزءاً من الصراع، بما تتيحه من إمكانات للتأثير والمراقبة والتلاعب، وهذا الجانب تحديداً يفتح نقاشاً اجتماعياً وإعلامياً مهماً، خصوصاً مع الجدل الذي أثارته هذه المعالجة في مصر، وما تثيره لدينا أيضاً من تساؤلات حول الخصوصية وحدود استخدام التقنية في العلاقات الإنسانية.
وما أعجبني في المسلسل ليس حجم الانتقام أو غرابة الأحداث، وإنما نسق السيناريو الذي يتصاعد دون استعجال، ويمنح التفاصيل الصغيرة أهميتها، فلا يحتاج في كل مشهد إلى صراخ أو مواجهة مباشرة، بل يترك للمشاهد فرصة اكتشاف ما يدور خلف الكلمات والتصرفات، وهي إحدى علامات الكتابة الدرامية الجيدة.
وهذه الفكرة ليست بعيدة عن تجارب سينمائية عالمية شهيرة، شاهدنا في الكثير منها كيف تتحول الخيانة الزوجية إلى لعبة نفسية قاسية، تتداخل فيها الرغبة في الانتقام مع التلاعب بالحقائق.!
ولا تعني هذه المقارنة تشابه الأعمال، وإنما تؤكد أن التميز الحقيقي لا تصنعه الحكاية وحدها، بل الطريقة التي تقدم بها، وقدرة الكاتب على إقناع المشاهد بالتحولات النفسية للشخصيات.
ولعل ما يميز مسلسل طالع نازل أن السيناريو لم يقدم الانتقام باعتباره انفعالاً عابراً، وإنما حالة تتطور تدريجياً، حتى يصبح المشاهد أمام مفارقة أخلاقية، فهو يتفهم ألم المرأة التي تعرضت للخيانة، لكنه لا يستطيع تبرير كل ما تفعله باسم الكرامة المجروحة.
ومن وجهة نظري امام جمال هذا العمل الدرامي، أعتقد أن الدراما العربية تحتاج بالفعل لمزيد من الأعمال التي تراهن على قوة النص، وتمنح الشخصيات أبعاداً نفسية، بعيداً عن الحكايات المكررة والمواجهات المفتعلة، فالمشاهد لم يعد يبحث عن النجوم وحدهم، وإنما عن قصة تحترمه.
لذلك أرى ان هذا المسلسل أكد لنا من الناحية الفنية أن نجاح العمل الدرامي لا تصنعه النجومية وحدها، ولا ضخامة الإنتاج أو كثرة الحلقات، وإنما سيناريو محكم، وممثلون يمتلكون أدواتهم الفنية، وإيقاع يحترم وقت المشاهد وذكاءه، بعيداً عن التمطيط والمشاهد المفتعلة لإطالة الأحداث.
فالدراما الجيدة وهذا الكلام موجه للقائمين على مسلسلاتنا المحلية، ليست في عدد الحلقات التي تقدمها، وإنما في قدرتها على إبقاء المشاهد مشدوداً إلى أحداثها، دون أن يشعر أن وقته يضيع في تفاصيل لا تضيف شيئاً للحكاية، ولن أقول تفاهات.

