ليلى أمين السيف
تخيّل أن تقضي سنوات طويلة في الدراسة والعمل وتبني خبرتك درجة بعد درجة حتى تصل إلى منصب تفخر به ثم تأتي الحرب لتقلب حياتك رأساً على عقب وتدفعك إلى مغادرة وطنك واللجوء إلى بلد آخر تاركاً خلفك بيتك وذكرياتك ومكتبك الذي اعتدت الجلوس إليه وحياة ظننت أنك ستواصل بناءها حتى آخر العمر.
تصل إلى بلد غريب تحمل شهاداتك وخبراتك وأحلامك لتكتشف أنك لا تبدأ من الصفر لأنك لم تنجح بل لأن الظروف أجبرتك على إعادة كتابة قصتك من جديد.
ثم تبدأ رحلة الاندماج وتتعلم اللغة وتبحث عن عمل إلى أن تكتشف أن سيرتك الذاتية التي كانت تفتح لك أبواباً في بلدك تحتاج هنا إلى ترجمة واعتراف واختبارات وإجراءات وصبر قد يكفي لبناء مسيرة مهنية جديدة من البداية!!
أهلاً بك في السويد حيث قد تكون شهادتك الجامعية معترفاً بها، لكن الطريق إلى العمل بها يحتاج إلى شهادة أخرى في الصبر والتحمل.
هذه ليست نكتة وإن كانت تستحق بعض الضحك بل حكاية كثيرين منا ممن جاءوا إلى السويد هرباً من الحروب والظروف القاسية لا هرباً من العمل أو الدراسة. نحن أناس كان بيننا الطبيب والمهندس والمعلم وطبيبة الأسنان ومضيفة الطيران ومهندسة المعدات الطبية والمشرفة والمدير. كثيرون منا كانوا ناجحين في بلدانهم ولديهم سنوات من الخبرة والإنجازات لكن الحرب لا تحترم الشهادات ولا تقرأ السيرة الذاتية قبل أن تقرر مصير أصحابها.
أنا واحدة من هؤلاء. عملت مشرفة واكتسبت خبرة مهنية ولي أصدقاء وصديقات من تخصصات مختلفة لكل منهم قصته ومكانته المهنية السابقة. أعرف أطباء ومهندسين ومعلمين.
لم تعترف بلدان اللجوء بشهاداتهم وكأن سنوات الدراسة والخبرة كانت مجرد هواية مارسوها في أوقات الفراغ!
ولذلك نصحت ابني الطبيب بألا يأتي إلى السويد ليس لأنني أكره هذا البلد بل لأنني أعرف أن الطريق إلى ممارسة المهن المتخصصة قد يكون طويلاً ومعقداً. فقد ذهب إلى ألمانيا وبدأ دراسة اللغة والاستعداد للاختبارات اللازمة لممارسة الطب على أمل أن يتمكن من العودة إلى تخصصه بعد استيفاء الشروط المطلوبة.
وهنا يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده: إذا كانت البلاد تحتاج إلى الأطباء والمهندسين والمعلمين وأصحاب الخبرات فلماذا لا يُصمَّم مسار واضح يساعدهم على تعلم اللغة بالتوازي مع التأهيل المهني؟ لماذا لا يتدرب الطبيب في بيئة طبية والمهندس في بيئة هندسية والمعلم في بيئة تعليمية بدلاً من أن يقضي بعضهم سنوات بعيداً عن تخصصه؟
نحن لا نطلب تجاوز الشروط ولا نطالب بمنح أحد حق ممارسة مهنة دون التأهيل المطلوب. نريد فقط أن يكون الطريق إلى التأهيل أكثر وضوحاً وفاعلية بحيث تستفيد البلاد من كفاءات وصلت إليها ويستعيد أصحابها قدرتهم على المساهمة بخبراتهم.
لكن الحياة لا تنتظر انتهاء الإجراءات وفواتير الإيجار لا تقبل الشهادات الجامعية بدلا من المال! لذلك اضطر كثيرون منا إلى تغيير مساراتهم المهنية حتى أولئك الذين تجاوزوا الخمسين من أعمارهم.
لكن دعونا نتوقف عند نقطة مهمة ليس في العمل اليدوي ولا في التنظيف ولا في رعاية كبار السن ولا في أي عمل إنساني شريف ما يستدعي الخجل أو الاعتذار.
ما العيب في أن يعمل الإنسان بيديه؟ وما الذي ينقص من ينظف منزلاً أو يرعى مسناً أو يطبخ طعاماً أو يعمل في مصنع؟ هل تصبح يد الإنسان أقل قيمة لأنها تحمل ممسحة بدلاً من قلم أو تساعد مسنا على ارتداء ملابسه بدلاً من أن تكتب تقريراً إدارياً؟
ما دام الإنسان يكسب رزقه بعمل شريف ولا يسرق حقوق الآخرين ولا يجعل الاستجداء وسيلته للعيش وهو قادر على العمل فلماذا ينظر بعض الناس إلى بعض المهن نظرة دونية؟ أليس من الأفضل أن يكون الإنسان عاملاً يؤدي واجبه بكرامة بدلاً من أن يعيش عالة على غيره؟ وأليس المجتمع الذي يحترم جميع الأعمال أكثر قدرة على تقدير قيمة الإنسان الحقيقية؟
لقد عملت في دار لرعاية كبار السن وكنت سعيدة بعملي. لم أشعر أنني فقدت قيمتي لأنني أساعد إنساناً في حاجاته اليومية بل كنت أرى في ذلك جانباً إنسانياً يستحق الاحترام. ومع ذلك قال لي أحد الزملاء ذات مرة مستغرباً انتقالي من الإشراف إلى الرعاية:
كنتِ مشرفة والآن تنظفين كبار السن.
فأجبته ببساطة: نعم كنت مشرفة واليوم أعتني بكبار السن. ومن يدري؟ ربما يأتي يوم أحتاج فيه أنا إلى من ينظفني! هل يضمن أحدنا أن يبقى صحيحاً وقادراً على خدمة نفسه إلى الأبد؟
لماذا نستغرب أن يقدم إنسان خدمة قد يحتاج إليها هو نفسه يوما ما؟ أليس من الممكن أن تتحول الأدوار وأن يصبح من كان يساعد الآخرين محتاجاً إلى مَنْ يساعده؟ الحياة لا توزع علينا أدوارنا مرة واحدة ثم تتركنا نؤديها حتى النهاية. إنها تعيد توزيعها دون أن تستأذننا.
كنت أحب عملي فعلاً لكن هناك ما كان يجعل الذهاب إليه صعباً أحياناً ألا وهو الشكوى المستمرة من بعض الزملاء. شكوى من ضغط العمل وشكوى من الإدارة وشكوى من المهام حتى أصبحت الشكوى نفسها جزءاً من يوم العمل.
والمفارقة أنني لم أكن أحب الجلوس معهم طويلاً فاشتكى بعضهم من أنني أبقى بعيدة عنهم.
والأغرب أن ابتعادي عن جلساتهم كان سبباً لشكواهم لأنني لم أكن أطيق البقاء طويلاً في مجالس لا يكاد يدور فيها حديث إلا عن الشكوى من العمل والنزلاء والمديرين وكل شيء.
وفي إحدى المرات صارحتهم: لماذا أجلس معكم؟ كل ما أسمعه منكم هو الشكوى من العمل
أنتم اخترتم هذه المهنة وحصلتم على الشهادات اللازمة لممارستها. أما أنا فلم أختر هذا الطريق في الأصل؛ الظروف هي التي قادتني إليه. لكنني أدركت أنني إذا أردت أن أعيش بسلام فعليّ أن أجد في عملي ما يجعلني أحبه وقد أحببته بالفعل. أنتم لديكم خيارات أما أنا فقد وجدت نفسي أمام واقع لم أخطط له فقررت أن أتعامل معه بدلاً من أن أقضي أيامي في التذمر منه.
لم أقصد أن الشكوى من ظروف العمل غير مشروعة فلكل عامل حق في المطالبة بظروف عادلة، لكنني كنت أتساءل: كيف يمكن لإنسان اختار مهنته وتدرب عليها وعمل فيها أن يقضي معظم وقته في الشكوى منها بينما يحاول إنسان آخر أن يتصالح مع مهنة لم تكن ضمن خططه أصلاً؟
أنا سعيدة بعملي لكنني لا أنكر أن من المؤلم أن تضطر كفاءات كثيرة إلى الابتعاد عن تخصصاتها لسنوات بينما يمكن للبلاد أن تستفيد منها في مجالات تحتاج إليها، وليس من التناقض أن أحترم عملي الحالي وأطالب في الوقت نفسه بفرص أفضل لأصحاب الشهادات والخبرات فنحن لا نطلب أن تُفتح الأبواب لمجرد أننا مهاجرون بل نريد أن تُتاح لنا فرص عادلة لاستخدام ما تعلمناه وما اكتسبناه من خبرة. نريد أن نتعلم اللغة ونحترم قوانين البلد ونعمل ونشارك في المجتمع. نريد أيضاً ألا تضيع سنوات العلم والعمل وكأنها لم تكن.
لقد تعلمت أن قيمة الإنسان لا تختصرها بطاقة العمل ولا يحددها المكتب الذي يجلس خلفه ولا عدد الموظفين الذين كانوا يعملون تحت إشرافه. قد يخسر منصبه ولا يخسر علمه وقد يغير مهنته ولا يفقد خبرته وقد يبدأ من الصفر دون أن يكون صفراً.
أنا المرأة نفسها التي كانت مشرفة وقبلها كنت مترجمة وبعد ذلك معلمة وأنا المرأة نفسها التي ترعى كبار السن اليوم. لم أفقد عقلي ولا علمي ولا خبرتي؛ كل ما في الأمر أن الحياة غيّرت عنوان عملي ولم تستطع تغيير عنوان كرامتي.
ولعل هذه هي الحكاية الحقيقية لكثير من المهاجرين: أشخاص لم يأتوا إلى السويد ليتعلموا كيف يعملون بل جاؤوا بعدما عملوا ونجحوا ثم اضطروا إلى البدء من جديد. خلف كل عامل تنظيف وكل مساعد في رعاية كبار السن وكل عامل في مطبخ أو مصنع قد تجد طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو صاحب مشروع له ماض مهني لا يظهر في جدول المناوبات وأحلام لم تنته وإنما تأجلت بفعل ظروف لم يخترها.
لقد تجاوزت الخمسين ولم أعد أنتظر أن تعيدني الحياة إلى مكتبي القديم حتى أشعر بأنني نجحت. يكفيني أن أؤدي عملي بضمير وأن أحترم نفسي والآخرين وأن أحتفظ بحقي في الحلم بحياة أفضل.
وإذا سألتني اليوم إن كنت نادمة على عملي في رعاية كبار السن، فسأقول لك: لا. لكنني أتمنى أن يأتي يوم لا يضطر فيه الطبيب إلى نسيان الطب ولا المهندس إلى دفن خبراته ولا المعلم إلى التخلي عن رسالته لمجرد أن الحرب نقلتهم إلى بلد جديد.
فاحترام العمل لا يعني أن نهدر الكفاءات والاندماج لا يعني أن ندفن ماضينا المهني والرضا لا يعني أن نتوقف عن المطالبة بما هو أفضل.
قد تغيّر الحرب مهنتك وقد تغيّر الغربة عنوانك وقد يسقط من اسمك لقب كنت تعتز به سنوات لكن لا تسمح لأي ظرف أن يقنعك بأنك أصبحت أقل قيمة. فالمناصب تزول والشهادات تصمت والأجساد تضعف وتبقى الحقيقة التي لا تتغير: لا توجد مهنة ترفع الإنسان فوق إنسان ولا توجد وظيفة تنزع عنه كرامته.

